تعاقد البرازيل مع أنشيلوتي: البحث عن الاستقرار في كأس العالم 2026
عندما أعلن الاتحاد البرازيلي لكرة القدم عن تعاقده مع المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي لقيادة المنتخب استعداداً لكأس العالم 2026، بدا القرار وكأنه اعتراف بأن أزمة البرازيل لم تكن في نقص المواهب، بل في غياب القائد القادر على تحويل هذا الكم من النجوم إلى فريق بطل حقيقي.
تاريخياً، تُعتبر البرازيل مرشحة دائمة للفوز باللقب العالمي، ولكنها في النسخ الأخيرة من كأس العالم واجهت مصيراً إقصائياً كشف عن فجوة لم يتمكن أحد من حلها على مدار 24 عاماً، وهي وفرة في المواهب الفردية مقابل غياب الاستقرار الجماعي في اللحظات الحاسمة.
المنتخب البرازيلي، الذي شهد منذ عام 2023 تعاقب أربعة مدربين و84 لاعباً، وجد في أنشيلوتي ضالته قبل عام من انطلاق المونديال. ورغم وصوله المتأخر، لم يخض أنشيلوتي سوى أربع مباريات رسمية في تصفيات أمريكا الجنوبية المؤهلة لكأس العالم، كانت اثنتان منها عديمتي التأثير بعد ضمان التأهل، مما جعل الجزء الأكبر من عمله يعتمد على سبع مباريات ودية أقيمت بعد انتهاء التصفيات.
اعتمد المدرب الإيطالي بشكل متكرر على أسلوب هجومي يضم أربعة مهاجمين، مع وجود كاسيميرو وبرونو غيماريش كأبرز اللاعبين المشاركين تحت قيادته، بالإضافة إلى فينيسيوس جونيور.
يعكس نظام 4-2-4 عدم التوازن في نوعية اللاعبين المتاحين، حيث تتركز التشكيلة بشكل أكبر حول المهاجمين مقارنة بعدد محدود من لاعبي الوسط. ورغم استقرار ثنائي الوسط، تبقى المراكز الهجومية الأربعة مفتوحة للمنافسة، خصوصاً بعد إصابة رودريغو، هداف البرازيل منذ 2023، وإستيفاو، الهداف الأبرز في عهد أنشيلوتي.
يعتبر فينيسيوس ورافينيا من أبرز الأسماء الهجومية، إلا أن تألقهما في الأندية الأوروبية لم ينعكس دائماً على أدائهما الدولي. فقد ساهم فينيسيوس في 183 هدفاً خلال 257 مباراة مع ريال مدريد، بمعدل 0.79 مساهمة تهديفية في المباراة الواحدة، بينما ساهم في 17 هدفاً فقط خلال 48 مباراة مع البرازيل، بمعدل 0.36.
الأمر نفسه ينطبق على رافينيا، الذي ساهم في 127 هدفاً خلال 177 مباراة مع برشلونة، مقابل 18 مساهمة تهديفية فقط خلال 38 مباراة دولية.
في ظل غياب مهاجم صريح مؤثر باستثناء إيغور تياغو، الذي لا يُتوقع أن يبدأ أساسياً، قد يلجأ أنشيلوتي إلى إشراك فينيسيوس أو رافينيا في العمق الهجومي. أما بقية المراكز الهجومية، فتشهد منافسة قوية بين ماتيوس كونيا، ولويز هنريكي، ورايان، وغابرييل مارتينيلي، وإندريك، وإيغور تياغو، بالإضافة إلى نيمار الذي كان استدعاؤه مفاجأة للكثيرين.
يبدو كونيا الأقرب لحجز مكان أساسي بعد أن صنع 11 فرصة تهديفية تحت قيادة أنشيلوتي، كما أنه يجيد اللعب في المناطق المركزية. كما لفت لويز هنريكي ورايان وإندريك الأنظار بقوة، حيث أثبت كل منهم أحقيته بالمنافسة على مركز أساسي.
لكن اللاعب الذي يحمل أكبر قدر من التوقعات والآمال في الشارع البرازيلي يبقى نيمار، الهداف التاريخي للبرازيل برصيد 79 هدفاً. لم يشارك مع المنتخب منذ أكتوبر 2023، لكنه بعد عودته إلى ناديه الأم سانتوس في عام 2025 قدم مستويات أقنعت أنشيلوتي باستدعائه مجدداً، حيث تصدر الفريق في عدد الأهداف والمراوغات الناجحة والفرص المصنوعة.
يمتلك نيمار فرصة تاريخية ليصبح ثاني لاعب برازيلي بعد بيليه يسجل أهدافاً في أربع نسخ مختلفة من كأس العالم. ولا أحد يشكك في قدرته على الربط بين الوسط والهجوم أو حسم المباريات، لكن المهمة الآن تقع على عاتق أنشيلوتي لتحديد ما إذا كان سيبني الفريق حوله أم سيستخدمه كورقة رابحة من مقاعد البدلاء.
أما في الجانب الدفاعي، فيبدو الوضع أكثر استقراراً، حيث يقدم الثنائي ماركينيوس وغابرييل ماغالهاييش ضمانات كبيرة بعد نجاحهما في الحفاظ على نظافة الشباك في المباراتين اللتين لعباهما معاً تحت قيادة المدرب الإيطالي.
يبدو أن امتلاك دفاع قوي قادر على الصمود أمام كبار أوروبا، مع الاعتماد على سرعة المهاجمين في الهجمات المرتدة، قد يكون أفضل طريق أمام البرازيل نحو النجاح.
ما يميز أنشيلوتي أنه ليس مدرب أفكار بقدر ما هو مدرب نتائج، فهو لا يفرض فلسفة جامدة، بل يصنع توازناً بين قدرات اللاعبين والواقع التنافسي. ومع البرازيل، يبدو أنه يتجه إلى نموذج واضح: دفاع مستقر نسبياً، وسط مزدوج صارم، وهجوم سريع يعتمد على المساحات.
يبقى السؤال، هل البرازيل مرشحة فعلاً؟ على الورق، ليست البرازيل المرشح الأوفر حظاً مقارنة بمنتخبات مثل فرنسا، أو إسبانيا، أو الأرجنتين أو إنجلترا، التي تمتلك استقراراً أكبر. لكن ما يجعل "السيليساو" خطيراً هو الهامش الكبير للتطور في عقلية اللاعبين والمنظومة التي أسسها أنشيلوتي.