إسبانيا: أسلوب دفاعي مدروس رغم الاستحواذ العالي
خلف الأسلوب الجمالي الذي تتبناه كتيبة لويس دي لا فوينتي، يكمن وجه دفاعي "خشن" ومدروس بعناية، مما يجعل منتخب "لا روخا" الأكثر ارتكاباً للأخطاء في المونديال عند قياس القيمة الإحصائية للزمن الفعلي لعدم الاستحواذ.
ارتكب بيدرو بورو أربعة أخطاء خلال المباراة ضد بلجيكا، رغم استحواذ فريقه على الكرة بنسبة 68%.
شهدت مباراة ربع النهائي الأخيرة ضد بلجيكا كسر الرقم القياسي التاريخي لحارس المرمى أوناي سيمون، الذي حافظ على نظافة شباكه لست مباريات متتالية، قبل أن يستقبل هدفه الأول في البطولة عند الدقيقة 41 برأسية تشارلز دي كيتيلير، الذي ارتقى ببراعة فوق المدافع الشاب باو كوبارسي.
ورغم هذا التعثر المؤقت، نجح البديل الحاسم ميكيل ميرينو في تسجيل هدف الفوز الثمين لإسبانيا (2-1) في الدقيقة 88، بعد أن كان قد أدّى دوراً مشابهاً في ثمن النهائي أمام البرتغال (1-0).
لكن القصة الحقيقية لا تكمن في النتيجة، بل في الطوق التكتيكي الذي تفرضه إسبانيا؛ إذ لم يستقبل الفريق سوى 5 تسديدات (اثنتان منها على المرمى)، بمعدل أهداف متوقعة (Expected Goals) لبلجيكا بلغ 0.36 فقط، وهو رقم أعلى بقليل من متوسط إسبانيا العام في البطولة (0.3)، الذي يُصنف كأقوى وأقل معدل تهديفي يُسمح به للخصوم بين جميع الفرق.
يعود الفضل في ذلك إلى نجاح الإسبان في تقليص تواجدهم في الثلث الدفاعي، حيث لم يسمحوا لبلجيكا إلا بـ 11 لمسة داخل منطقة الجزاء (أقل من 9 لمسات كمتوسط عام في البطولة).
فرضت إسبانيا هيمنة مطلقة بأعلى نسبة استحواذ في المونديال (66% كمتوسط، و68% أمام بلجيكا)، وقضت معظم وقتها في نصف ملعب الخصم، متصدرة إحصائيات التمريرات المحاولة والمكتملة في الثلث الهجومي الأخير عبر ضابط الإيقاع رودري وزملائه لإبعاد الخطورة عن مرماهم.
تكشف البيانات الرقمية عن لجوء نظامي ومكثف للمخالفات. ضد بلجيكا، ارتكب الإسبان 13 خطأ. قد يبدو الرقم اعتيادياً، لكن عند احتسابه بناءً على النسبة المئوية لاستحواذ الخصم، يتضح أنه مرتفع.
تتربع إسبانيا على عرش المنتخبات الـ16 التي تأهلت للدور ثمن النهائي كأكثر فريق يرتكب أخطاء أثناء فترات الدفاع؛ حيث سجلت إسبانيا المعدل الأعلى بـ 15.93 خطأ، تليها كندا بـ 15.50، ثم كولومبيا بـ 14.97، وسويسرا بـ 14.52، والمغرب بـ 13.68، والأرجنتين بـ 13.50.
وفي بقية الترتيب الإحصائي للمنتخبات، جاءت الولايات المتحدة بمعدل 12.27، تليها إنجلترا بـ 12.17، ثم بلجيكا بـ 11.62، والمكسيك بـ 11.27.
المثير للانتباه أن منافسة إسبانيا القادمة، فرنسا، جاءت في مركز متأخر بمعدل 11.02 خطأ، تليها مصر بـ 10.57، والبرازيل بـ 10.40، والنرويج بـ 10.02، والبرتغال بـ 9.44، بينما تذيلت باراغواي القائمة بـ 8.67 خطأ فقط.
تتضح الفجوة الكبيرة عند مقارنة إسبانيا بمنافستها القادمة فرنسا؛ حيث يتفوق "لا روخا" في معدل ارتكاب الأخطاء الدفاعية بنسبة هائلة تصل إلى 43%.
هذا السلوك يندرج تحت ما يُعرف بـ"المخالفات التكتيكية" لإحباط المرتدات فوراً، وهو الشعار غير المعلن للفيلسوف بيب غوارديولا، الذي فضحه مساعده السابق ميكيل أرتيتا في الوثائقي الشهير "الكل أو لا شيء" عندما قال للاعبي مانشستر سيتي: "مخالفة، إذا كانت هناك هجمة مرتدة، فارتكب مخالفة. من الأفضل أن ترتكبها أنت بدلاً من لاعبي الوسط أو المدافعين".
هذه الذهنية تنعكس بدقة على أرض الملعب مع "لا روخا"؛ حيث إن الجناحين الأساسيين، أليكس باينا ولامين جمال، يرتكبان مجتمعين أخطاء تكتيكية لكل 90 دقيقة بنسبة تفوق 30% مما يرتكبه الخماسي الهجومي الفرنسي المرعب (مبابي، أوليسي، ديمبيلي، باركولا ودوي) مجتمعين منذ بداية كأس العالم.
هذه الكثافة في الأخطاء الذكية تعكس وعياً حاداً بنقاط الضعف؛ فالمنتخب الإسباني يعاني بوضوح عندما يُجبر على التراجع والدفاع المنظم داخل منطقته.
ورغم الأدوار الخارقة التي يقدمها رودري كسدّاد للثغرات، إلا أن المدافع اليافع باو كوبارسي بدت عليه قلة الخبرة في لقطة هدف دي كيتيلير بسبب بطء الارتداد والتمركز الخاطئ.
وعلى الرغم من أن كوبارسي، الماهر ببناء اللعب، كان مهندس هدف فريقه الثاني بتمريرة بعيدة المدى، إلا أن هفواته التمركزية في الوقت بدل الضائع كادت أن تكلف إسبانيا هدف التعادل القاتل.
تدرك إسبانيا أن خط دفاعها يعاني في المواجهات المباشرة، لذلك، فإن الضغط العكسي المكثف المقرون بـ"الأخطاء التكتيكية الفورية" في مناطق الخصم، ليس مجرد اندفاع بدني، بل هو صمام الأمان والركيزة الدفاعية الأساسية التي تحمي ظهر "التيكي تاكا" من الطعنات المرتدة.