كأس العالم: ظاهرة اجتماعية وسياسية في أمريكا
مع اقتراب بطولة كأس العالم لكرة القدم من نهايتها، أصبحت البطولة ظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية في الولايات المتحدة، وذلك في ظل استمرار إدارة الرئيس دونالد ترامب في تبني سياسات صارمة تجاه الهجرة وقضايا دولية أخرى.
بينما تناولت بعض التقارير الصحفية النجاح الجماهيري اللافت للبطولة، سلطت أخرى الضوء على الجدل الذي رافقها، بما في ذلك التدخلات السياسية المزعومة وأداء الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بالإضافة إلى ظواهر فنية مثل الارتفاع الكبير في إهدار ركلات الجزاء.
في تقرير نشرته صحيفة الغارديان، أشار كريستوفر ماثياس إلى أن المخاوف التي سبقت انطلاق البطولة لم تتحقق، على الرغم من التوترات السياسية المحيطة بها، مثل الخلافات بين واشنطن وكندا والمكسيك، وقيود السفر التي منعت جماهير بعض الدول من الحضور، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار التذاكر وانتقادات لفيفا بسبب سياساته التجارية.
غير أن مجريات البطولة غيرت المشهد تمامًا، حيث امتلأت الملاعب بالجماهير، وبلغ متوسط الحضور أكثر من 64 ألف متفرج في المباراة الواحدة، مع نسبة إشغال قاربت الامتلاء الكامل، وتم بيع ملايين التذاكر، مما يدل على نجاح تنظيمي وجماهيري تجاوز التوقعات.
كما حققت البطولة أرقامًا قياسية في نسب المشاهدة داخل الولايات المتحدة، إذ جذبت مباريات المنتخب الأمريكي عشرات الملايين من المشاهدين، بينما سجلت لقاءات منتخبات أخرى، مثل إنجلترا والمكسيك، نسب متابعة غير مسبوقة، مما يعكس اتساع قاعدة عشاق كرة القدم في بلد لطالما احتلت فيه اللعبة مرتبة متأخرة مقارنة بكرة القدم الأمريكية أو البيسبول وكرة السلة.
يعود هذا التحول إلى عدة عوامل، أبرزها النمو التدريجي لشعبية اللعبة منذ استضافة مونديال عام 1994، ونجاحات منتخب السيدات، وازدياد متابعة الدوريات الأوروبية، فضلاً عن إقامة معظم المباريات في أوقات مناسبة للجمهور الأمريكي.
بالإضافة إلى ذلك، شهدت البطولة مستوى فنيًا مرتفعًا مع معدل تهديف يعد الأعلى منذ عقود، وتألق نجوم مثل ليونيل ميسي وكيليان مبابي وإيرلينغ هالاند وهاري كين.
ساهم النظام الموسع للبطولة في ظهور مفاجآت لافتة، حيث خطفت منتخبات صغيرة مثل كوراساو والرأس الأخضر الأضواء بعد تحقيق نتائج تاريخية أمام منتخبات كبرى، مما عزز جاذبية المنافسات.
يرى الكاتب أن البطولة لعبت دورًا يتجاوز الرياضة، إذ وفرت مساحة للاحتفاء بالتعددية الثقافية في مجتمع يعاني من انقسامات سياسية حادة.
انتشرت مشاهد احتفال جماهير من جنسيات مختلفة في شوارع نيويورك ولوس أنجلوس وبوسطن ومدن أخرى، بينما تحولت الأحياء والمقاهي والساحات العامة إلى أماكن تجمع لمتابعة المباريات، مما يعكس وجهًا مختلفًا للولايات المتحدة بعيدًا عن الخطاب السياسي السائد.
يعتبر الكاتب سايمون تيسدال أن البطولة أعادت الاعتبار لفكرة أن كرة القدم قادرة على تجاوز موازين القوة السياسية والاقتصادية، إذ منحت الدول الصغيرة مساحة للتألق.
من منظور آخر، يعتبر الكاتب البريطاني سايمون تيسدال أن البطولة أعادت الاعتبار لفكرة أن كرة القدم قادرة على تجاوز موازين القوة السياسية والاقتصادية، إذ منحت الدول الصغيرة مساحة للتألق، بينما أخفقت قوى كبرى في فرض نفوذها داخل المستطيل الأخضر.
يشير الكاتب في مقال الغارديان إلى أن البطولة تحولت إلى منصة للاحتفاء بالتنوع العرقي والثقافي، في مواجهة تصاعد الخطابات القومية والشعبوية، منتقدًا محاولات التدخل السياسي في بعض مجريات المنافسات، وسياسات فيفا التجارية وعلاقاته الوثيقة بالقادة السياسيين، معتبرًا أن نجاح البطولة تحقق بفضل الجماهير واللاعبين أكثر مما تحقق بفضل إدارة الاتحاد الدولي.
كما يلفت تيسدال إلى تنامي الأصوات المطالبة بإصلاح منظومة إدارة كرة القدم العالمية، سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو من جانب الدول الأفريقية، في ظل جدل متزايد حول العدالة التحكيمية وآليات اتخاذ القرار داخل فيفا.
وعلى الصعيد الفني، تناول دانيال ستوري في صحيفة آي بيبر (iPaper) ظاهرة لافتة تمثلت في انخفاض معدل نجاح ركلات الجزاء إلى أدنى مستوى منذ مونديال عام 1938، حيث لم تتجاوز نسبة التسجيل نحو 65 بالمئة.
يرى الكاتب أن هذا التراجع يعود إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها التطور الكبير في تحليل البيانات، إذ بات حراس المرمى يمتلكون معلومات دقيقة عن أساليب منفذي الركلات، مما منحهم أفضلية واضحة.
كما فقدت أساليب الاقتراب البطيء والتوقف قبل التسديد عنصر المفاجأة، وأصبحت أكثر قابلية للتصدي، وهو ما انعكس حتى على نجوم كبار مثل ميسي ومبابي وكين، الذين أهدروا ركلات خلال البطولة.
يضيف ستوري أن اختيار منفذين غير متخصصين، ولا سيما من المدافعين، ساهم في زيادة الإخفاقات، إلى جانب تأثير الكرة الرسمية الجديدة التي يرى بعض الحراس أنها تتحرك بشكل يصعب التنبؤ به، فضلاً عن الإرهاق الناتج عن خوض المباريات في درجات حرارة مرتفعة، مما يؤثر في التركيز والقدرة على اتخاذ القرار خلال اللحظات الحاسمة.