لويس دي لا فوينتي: مسيرة مدرب إسبانيا نحو المجد
لم يحقق لويس دي لا فوينتي شهرة واسعة قبل أن يتولى تدريب المنتخب الإسباني، ولم يكن لديه سجل حافل بالألقاب مع الأندية الكبرى. بل جاء من عالم الفئات السنية، حيث قضى سنوات في العمل بعيداً عن الأضواء.
في زمن أصبحت فيه صورة المدرب جزءاً من نجاحه، أثبت دي لا فوينتي أن ما يحدث داخل الملعب هو ما يصنع الفارق في النهاية. خلال عامين فقط، قاد إسبانيا إلى لقب كأس أمم أوروبا 2024 ثم إلى لقب كأس العالم 2026، ليصبح اسمه جزءاً من تاريخ "لا روخا".
وُلد لويس دي لا فوينتي كاستيو في مدينة هارو الإسبانية عام 1961، وكانت مسيرته كلاعب تعكس شخصيته كمدرب؛ لاعب ملتزم وهادئ أكثر من كونه نجماً يبحث عن الشهرة. لعب في مركز الظهير الأيسر، وارتدى ألوان أندية مثل أتلتيك بلباو وإشبيلية، وكان جزءاً من الجيل الذهبي لبلباو الذي توج بلقب الدوري الإسباني مرتين في عامي 1983 و1984، بالإضافة إلى كأس الملك في 1984.
لكن دي لا فوينتي لم يكن من اللاعبين الذين تتصدر صورهم أغلفة الصحف. كان لاعباً يؤدي دوره داخل الملعب، قبل أن ينتقل إلى عالم التدريب بعد اعتزاله عام 1994 بقميص ألافيس.
بعد اعتزاله، لم يحصل دي لا فوينتي على فرصة مباشرة مع نادٍ كبير، بل بدأ مسيرته التدريبية في فرق صغيرة مثل بورتوغاليتي وأوريرا، قبل أن يعود إلى أتلتيك بلباو للعمل مع الفئات السنية.
كانت تلك المرحلة بمثابة مدرسة طويلة في تكوين اللاعبين وفهم مراحل تطورهم. لكنه واجه لحظات صعبة أيضاً، مثل تجربته مع ألافيس عام 2011، عندما تمت إقالته بعد أشهر قليلة من توليه تدريب الفريق.
وجد دي لا فوينتي نفسه في تلك الفترة خارج دائرة الضوء، بلا عمل أو فرصة واضحة للعودة للتدريب. لم يكن لديه اسم إعلامي كبير أو مسيرة مع أندية كبرى تمنحه دعماً أمام الإدارات الرياضية، وكان من الممكن أن تنتهي مسيرته عند تلك النقطة. لكن نقطة التحول جاءت بعد سنتين من خلال منتخبات الفئات السنية.
كان إعلان في إحدى الصحف أحد الأسباب غير المتوقعة وراء نجاحه، حيث كان الاتحاد الإسباني لكرة القدم يبحث عن مدربين لمنتخبات الفئات السنية، وكان دي لا فوينتي حينها بلا نادٍ. ويستذكر إدواردو فيردو كاتب سيرة المدرب تلك الفترة، موضحاً أنها لم تكن مجرد مسألة مالية، بل كانت مسألة نفسية: "أعتقد أنه كان يخشى أن يقول لنفسه إنه أصبح خارج اللعبة".
بدون تردد، قام دي لا فوينتي بإجراء مكالمة هاتفية وبدأ مسيرته في الاتحاد الإسباني. أدت تلك الخطوة إلى محادثة مع المدرب السابق إيناكي سايث، الذي منح دي لا فوينتي فرصة كمدرب مؤقت لمنتخب تحت 19 عاماً.
في مايو 2013، عيّن الاتحاد الإسباني دي لا فوينتي مدرباً لمنتخب تحت 19 عاماً. لم يكن القرار حدثاً كبيراً في الإعلام الإسباني، ولم ينظر إليه كثيرون كبداية لمشروع سيقود المنتخب الأول لاحقاً.
لكن بالنسبة لدي لا فوينتي، كانت تلك الفرصة بداية مرحلة امتدت نحو عقد كامل داخل منظومة الاتحاد الإسباني. خلال تسع سنوات من العمل مع المنتخبات السنية، لم يكتفِ بتدريب اللاعبين، بل شارك في تشكيل جيل كامل أصبح العمود الفقري للمنتخب الأول.
حقق مع "لا روخا" تحت 19 عاماً لقب بطولة أوروبا عام 2015، ثم قاد منتخب تحت 21 عاماً إلى التتويج ببطولة أوروبا عام 2019، قبل أن يقود المنتخب الأولمبي إلى الميدالية الفضية في أولمبياد طوكيو 2020.
خلال هذه السنوات، عمل مع مجموعة من اللاعبين الذين أصبحوا لاحقاً عناصر أساسية في المنتخب الأول، من بينهم الحارس أوناي سيمون، ولاعبو الوسط ميكيل ميرينو وفابيان رويز، والمهاجمون داني أولمو وميكيل أويارزابال، نجوم مونديال 2026. كانت هذه المعرفة الطويلة باللاعبين أحد العوامل الرئيسية التي ساعدته لاحقاً عندما تولى مسؤولية المنتخب الأول.
بعد خروج إسبانيا من دور الـ16 في كأس العالم 2022 أمام المغرب بركلات الترجيح، قرر لويس إنريكي الرحيل عن تدريب المنتخب. في ذلك الوقت، كانت التوقعات تتجه نحو مدرب صاحب اسم عالمي، يمتلك خبرة واسعة مع الأندية الكبرى أو المنتخبات الأولى. لذلك جاء اختيار دي لا فوينتي مفاجئاً بالنسبة للكثيرين.
كيف يمكن لمدرب لم يسبق له قيادة فريق كبير في الدرجة الأولى، وكانت معظم خبرته في منتخبات الشباب، أن يتولى قيادة منتخب بحجم إسبانيا؟ هذه التساؤلات رافقت تعيينه في البداية، لكنه حاول الرد عليها من خلال رؤيته الخاصة للمشروع. وقال خلال تقديمه: "إذا كان هناك شخص يعرف حاضر الكرة الإسبانية ومستقبلها، فهو أنا". كان يرى أن سنوات العمل مع اللاعبين الشباب منحته ميزة فريدة، وهي معرفة المجموعة التي سيقودها.
لم يأتِ دي لا فوينتي لتغيير هوية الكرة الإسبانية بالكامل، لكنه حاول معالجة أحد الانتقادات التي واجهت المنتخب في السنوات الأخيرة: الاستحواذ الذي لا يتحول دائماً إلى خطورة هجومية. حافظ على فلسفة التمرير والسيطرة المرتبطة بإسبانيا منذ حقبة التتويج بكأس العالم 2010 وبطولتي أوروبا 2008 و2012، لكنه أضاف عناصر جديدة إلى أسلوب اللعب، مما جعل المنتخب أكثر مباشرة في الثلث الهجومي.
هذا التوازن بين السيطرة والفاعلية ظهر بوضوح في بطولة دوري الأمم الأوروبية 2023، عندما توجت إسبانيا باللقب، قبل أن يأتي الإنجاز الأكبر في كأس أمم أوروبا 2024. دخلت إسبانيا البطولة وسط شكوك حول قدرتها على العودة إلى المنافسة على الألقاب الكبرى، لكنها قدمت واحدة من أقوى النسخ في تاريخها، محققة سبعة انتصارات متتالية.
لم يكن الفوز مجرد بطولة جديدة في سجل إسبانيا، بل كان إعلانا عن نجاح مشروع المدرب الذي بدأ منذ سنوات في منتخبات الشباب. بعد لقب أوروبا، استمر دي لا فوينتي في تطوير المنتخب استعداداً لكأس العالم 2026، حيث دخلت إسبانيا البطولة بقائمة تجمع بين لاعبين يعرفهم المدرب منذ مراحل الشباب وعناصر جديدة.
ورغم البداية المتعثرة بعد التعادل السلبي مع منتخب كاب فيردي، نجح الإسبان في الوصول إلى المباراة النهائية، حيث واجهوا الأرجنتين وليونيل ميسي، وحققوا الفوز 1-0، ليتوجوا بكأس العالم 2026. وقد كان ذلك إنجازاً كبيراً، حيث واجهوا منتخبات قوية مثل فرنسا وبلجيكا والبرتغال، مع تسجيل هدف واحد فقط في مرمى إسبانيا خلال 8 مباريات، مما يظهر نجاح تكتيك المدرب في منع الخصم من الحصول على فرص خطيرة.