تداعيات الإخفاق الرياضي في كأس العالم على ألمانيا وإيطاليا
لم يعد الإخفاق في بطولة كأس العالم لكرة القدم مجرد هزيمة رياضية بالنسبة لألمانيا وإيطاليا، بل أصبح مؤشراً على أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية أعمق. هذا ما خلصت إليه دراستان نُشرتا في كل من نيويورك تايمز ونيوزويك، حيث تعكس تراجع المنتخبين تحولات جذرية تعيشها أكبر قوتين في أوروبا.
تشير نيويورك تايمز إلى أن غياب إيطاليا عن نهائيات كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي شكل صدمة في بلد تعتبر فيه كرة القدم جزءاً من هويته الوطنية. فقد أصبح المنتخب الإيطالي، الذي توج بأربعة ألقاب عالمية، خارج البطولة الكبرى، في وقت تواجه فيه البلاد انخفاضاً حاداً في عدد السكان، وشيخوخة ديموغرافية، ونمواً اقتصادياً راكداً، وهجرة متواصلة للكفاءات الشابة.
ونقل التقرير عن الكاتب الإيطالي ألدو كاتسولو قوله إن ما يحدث يعكس "روح بلدنا التي لا ترقى دائماً إلى إمكاناتها، وليس في كرة القدم فقط"، مشيراً إلى أن الإخفاق الرياضي بات رمزاً لأزمة وطنية أوسع.
تعتبر كرة القدم لحظة نادرة لوحدة الإيطاليين، حيث يقول أحد المشجعين: "نشعر بأننا إيطاليون فقط عندما تلعب إيطاليا في كأس العالم"، بينما تفشل حتى النجاحات الثقافية أو السياحية في خلق هذا الشعور بالهوية المشتركة.
من جهة أخرى، ترى نيوزويك أن خروج ألمانيا المبكر من مونديال 2026 ليس سوى امتداد لتراجع بدأ منذ تتويجها بكأس العالم عام 2014، حين اعتبر الكثيرون أن البلاد تدخل "قرن النجاح الألماني". لكن بعد 12 عاماً، تبدلت الصورة بشكل جذري.
يقول رئيس معهد "إيفو" للأبحاث الاقتصادية، كليمنس فوست، إن "تراجع المنتخب يعكس تراجع الأداء الاقتصادي والتماسك السياسي في ألمانيا"، موضحاً أن الاقتصاد توقف فعلياً عن النمو منذ عام 2019، في حين تصف تقارير أوروبية السنوات الأخيرة بأنها "عقد ضائع".
توضح نيوزويك أن الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الطاقة والرسوم الجمركية الأمريكية والمنافسة الصينية أضعفت النموذج الصناعي الألماني، خصوصاً في قطاع السيارات الذي يمثل عماد الاقتصاد، بينما تواجه الشركات تحديات الانتقال إلى السيارات الكهربائية وتراجع حصتها في الأسواق العالمية.
في الوقت نفسه، تشهد البلاد انقساماً سياسياً متزايداً مع صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني، حيث أصبحت قضية الهجرة الأكثر إثارة للانقسام، في مشهد يختلف جذرياً عن مرحلة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، حين كانت ألمانيا تُوصف بأنها قائدة أوروبا السياسية والاقتصادية.
تظل برلين قوة اقتصادية كبرى وتملك مؤسسات قوية، لكنها لم تعد النموذج الأوروبي الذي لا يُنازع، كما كان الحال قبل عقد.
تشهد ألمانيا انقساماً سياسياً متزايداً مع صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني، وتحول الهجرة إلى القضية الأكثر إثارة للانقسام، في مشهد يختلف جذرياً عن مرحلة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل.
تتفق الصحيفتان على فكرة أساسية مفادها أن نتائج كرة القدم لا تفسر وحدها واقع الدول، لكنها تكشف جوانب من حالها. ففي إيطاليا، أدى ضعف الاستثمار في الشباب والتعليم والرياضة إلى تراجع المنتخب، بينما تعاني ألمانيا من تباطؤ اقتصادي، وضغوط صناعية، واستقطاب سياسي، مما انعكس على أداء فريقها الوطني.
تخلص نيويورك تايمز إلى أن إنقاذ كرة القدم الإيطالية يمر عبر معالجة مشكلات البلاد البنيوية، وليس فقط تغيير المدربين أو المسؤولين الرياضيين، بينما ترى نيوزويك أن استعادة ألمانيا مكانتها تتطلب إصلاحات اقتصادية وسياسية عميقة، لأن الأزمة الحالية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
وبالتالي، لم يعد غياب إيطاليا أو خروج ألمانيا المبكر مجرد خبر رياضي، بل تحول، في نظر الصحيفتين، إلى استعارة لأوروبا التي تواجه تحديات اقتصادية وديموغرافية وسياسية متراكمة، جعلت أمجاد الماضي أكثر حضوراً من ثقة الحاضر بالمستقبل.