كأس العالم 2023: كرة القدم وسط التحديات في إيران

كأس العالم 2023: كرة القدم وسط التحديات في إيران

طهران- تشهد أجواء كأس العالم في طهران هذا العام تغيرات ملحوظة مقارنةً بالمشاركات السابقة، حيث تفتقر الشوارع إلى الزينة المعتادة ولا يوجد اندفاع كبير نحو محلات بيع القمصان الرياضية. كما أن أحاديث كرة القدم لا تطغى على أخبار الحرب والقصف والضغوط المتعلقة بالتأشيرات. ومع ذلك، مع اقتراب موعد أولى مباريات المنتخب الإيراني، بدأت كرة القدم تعود لتظهر في البيوت والمقاهي ومجموعات الأصدقاء، كنوع من المحاولة الجماعية لانتزاع لحظة فرح من واقع ثقيل.

في أحد مقاهي وسط العاصمة طهران، يجهز صاحب المقهى شاشة كبيرة لمباريات المنتخب، لكنه يشير إلى أن الأجواء ليست احتفالية بالكامل. ويقول للجزيرة نت: "الناس تأتي لتشاهد المباراة لأنها تحتاج إلى استراحة، ولا يمكن لأحد أن ينسى الحرب، لكن عندما يلعب المنتخب، يحاول الجميع أن يبتعدوا عن الأخبار لمدة ساعتين".

يدخل المنتخب الإيراني كأس العالم هذه المرة في سياق غير مسبوق، حيث تستضيف البطولة الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في وقت تشهد فيه العلاقات بين طهران وواشنطن توتراً مستمراً. هذا الأمر جعل المشاركة الإيرانية تحمل أبعاداً سياسية ونفسية تتجاوز حدود الملعب. فإيران لا تلعب فقط أمام نيوزيلندا وبلجيكا ومصر في المجموعة السابعة، بل تخوض مبارياتها في دولة تُعتبر طرفاً مباشراً في النزاع مع طهران.

في الشارع الإيراني، تعكس هذه المفارقة كل حديث عن المنتخب. يقول علي، شاب في أواخر العشرينيات: "كأس العالم هذه المرة لا تشبه أي مونديال سابق. كنا نتحدث عادة عن التشكيلة والنتيجة واللاعبين، أما الآن فكل شيء مختلط بالحرب. نريد أن يفوز المنتخب ليس فقط لأجل كرة القدم، بل لأن الناس بحاجة إلى خبر يفرحهم".

تشعر مريم، طالبة جامعية، بأن اللاعبين يدخلون البطولة تحت ضغط مضاعف. تقول: "اللاعبون يعرفون أن الناس تتابعهم من بلد يمر بظروف صعبة. حتى لو لم يحققوا نتائج كبيرة، نريد أن نشعر بأنهم يقاتلون من أجل صورة إيران أمام العالم".

لقد أثرت الحرب بشكل مباشر على الحياة الرياضية في إيران، حيث توقف الدوري المحلي وتغيرت حسابات الأندية واللاعبين. وعلى الرغم من أن كرة القدم كانت عادةً مساحة للهروب من السياسة، فإنها تبدو هذه المرة محاصرة بها من عدة جوانب: مباريات مؤجلة، وتحضيرات مضطربة، ومعسكر خارجي تم نقله، وملف تأشيرات تحول إلى قضية سياسية.

في محل صغير لبيع القمصان الرياضية، يقول حسين، صاحب المحل، إن الإقبال أقل من مونديالات سابقة، لكنه لم ينقطع. ويوضح: "الناس متعبون، هناك من يفكر في الأمن، وهناك من يفكر في الأسعار، وهناك من لا يريد الاحتفال في هذا الظرف، لكن عندما تقترب مباراة إيران، يعود السؤال: أين سنشاهدها؟ ومن سيلعب؟".

هذا المزاج المتردد بين الرغبة في الفرح وثقل الحرب يرصده أيضاً ميرشاد ماجدي، اللاعب الدولي السابق ورئيس اتحاد كرة القدم الإيراني الأسبق. في تصريح للجزيرة نت، يقول ماجدي إن الإيرانيين يتابعون مشاركة منتخب بلادهم في كأس العالم "بنظرة مختلفة"، لأنهم يريدون أن يروا كيف سيتعامل الفريق مع "الضغوط التي وُضعت على اللاعبين".

ويضيف ماجدي أنه لو سئل الإيرانيون عن كرة القدم في منتصف الحرب "لقال كثيرون إن اللعبة لم تعد تحتل مكاناً في حياتهم"، لكنه يرى أن الصورة تغيرت الآن، رغم استمرار ظروف الحرب وتعطل الدوري المحلي، إذ "بات الجميع يتابع نتائج المنتخب وينتظر ما سيقدمه".

لم تكن التحضيرات الإيرانية طبيعية، فقد تم نقل معسكر المنتخب من الولايات المتحدة إلى تيخوانا في المكسيك بسبب أزمة التأشيرات والتوترات السياسية. وقد تم تناول هذه القضية في الإعلام الرياضي الإيراني كواحدة من أبرز الضغوط النفسية على اللاعبين قبل انطلاق المباريات.

يقول ماجدي إن المنتخب من الناحية التدريبية والتكتيكية "لا ينقصه الكثير"، لكنه يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في الجانب النفسي. ويشير إلى أن الولايات المتحدة "تلعب على هذا الجانب من خلال ملف التأشيرات وتوقيت إصدارها"، مما قد يزعج اللاعبين ويؤثر في تركيزهم.

ويكمل ماجدي أن اللاعبين يدركون أنهم يدخلون بلداً "هاجم إيران قبل فترة"، ولذلك "قد يفعل كل ما يستطيع لعرقلة حضورهم وتركيزهم". ومع هذه الضغوط، يرى أن تجاوز المنتخب لهذه الأجواء قد يمنحه دافعاً إضافياً داخل الملعب.

بينما نفى اتحاد الكرة الإيراني بعض الروايات التي تحدثت عن "تأشيرات لساعات فقط"، فإن الجدل حول دخول البعثة إلى الأراضي الأمريكية ظل حاضراً في النقاش العام. كما زاد قرار سحب الحصة الرسمية من تذاكر الجماهير الإيرانية من شعور المشجعين بأن المنتخب يواجه ظروفاً غير عادية.

يقول رضا، موظف يتابع أخبار المنتخب عبر هاتفه: "اللعب في بطولة تستضيفها أمريكا له معنى خاص الآن". ويضيف: "لا أعتقد أن الأمر رياضي فقط. هناك ضغط في التأشيرات، وضغط إعلامي، وضغط نفسي. لذلك أي نتيجة جيدة ستكون مهمة جداً".

في الأيام الأخيرة، بدا المنتخب الإيراني محملاً بمهمة تتجاوز الفوز والخسارة، حيث لا ينتظر المتابعون أداءً كروياً فحسب، بل يبحثون في المباريات عن أثر معنوي داخل بلد أنهكته الحرب. وقد تكررت في تصريحات اللاعبين عبارات مثل "إسعاد الناس" و"اللعب من أجل الشعب"، وهي تعبيرات تجد صداها في الشارع، حتى بين من لا يتابعون كرة القدم عادة.

تقول مريم إن نتيجة المباراة الأولى قد تكون حاسمة في تغيير المزاج العام: "إذا فاز المنتخب، فسيخرج الناس من حالة الصمت. ربما لن تكون هناك احتفالات كبيرة بسبب الحرب، لكنك ستشعر أن شيئاً تغير في البيوت والشارع".

ويوافق ماجدي على هذا المعنى، إذ يقول للجزيرة نت: "إذا قدم المنتخب أداءً جيداً في كأس العالم، فأنا واثق بأنه سيعيد قدراً من الحماس والنشاط إلى المجتمع". وبالنسبة إليه، فإن قيمة المشاركة لا تقاس بالنتيجة فقط، بل بقدرة المنتخب على إحياء شعور جماعي تراجع بفعل الحرب والضغوط اليومية.

أما نازنين، مشجعة في الثلاثينيات، فتقول إن الإيرانيين قد يختلفون في السياسة، لكن المنتخب يمنحهم "مساحة مشتركة". وتضيف: "قد نختلف في كل شيء، لكن عندما تبدأ المباراة، يريد معظم الناس أن يظهر علم إيران بصورة جيدة. هذه لحظة نادرة نشعر فيها أننا ننظر إلى الاتجاه نفسه".

بينما يحاول الاتحاد الإيراني والجهاز الفني عزل اللاعبين عن التوتر السياسي، يصعب على الشارع الإيراني فصل المباراة عن الحرب. فكل حديث عن التشكيلة يرافقه سؤال عن التأشيرات، وكل نقاش بشأن حظوظ المنتخب يقابله تنبيه عاجل على الهاتف، وكل رغبة في الاحتفال تصطدم بحقيقة أن البلاد لا تزال تعيش تحت القصف وضغط الواقع.

في طهران، لا يرفع الناس توقعات كروية كبيرة بقدر ما يتمسكون بأمل معنوي، فهم يريدون أن يروا المنتخب صامداً، وأن يشعروا بأن إيران حاضرة في الملعب رغم الحرب، وأن كرة القدم لم تفقد قدرتها على جمعهم حول لحظة واحدة.

يختصر صاحب المقهى المشهد قائلاً: "لسنا في أجواء احتفال كامل، لكن الناس تحتاج إلى سبب كي تبتسم. في زمن الحرب، حتى مباراة كرة قدم قد تصبح حدثاً نفسياً لا رياضياً فقط".

وهكذا يدخل المنتخب الإيراني كأس العالم: فريق يحمل أحلاماً كروية، وبلد ينتظر منه أكثر من مجرد أهداف في الشباك. بالنسبة لكثيرين في إيران، لم تعد المباراة مجرد تسعين دقيقة، بل هي اختبار لقدرة مجتمع متعب على التقاط فرحة مؤجلة وسط حرب لا تغادر الشاشات ولا البيوت.

Topics

Related news