عودة الأندية إلى منصات التتويج: موسم 2025-2026 يشهد نهاية القحط الكروي
اختتم موسم 2025-2026 حقبة طويلة من "القحط الكروي"، معلناً انتهاء أسوأ فترات الغياب عن منصات التتويج. من معقل "الإمارات" في لندن إلى "رادس" في تونس و"بولار دولولي" في فرنسا، تمكنت أندية أرسنال والأفريقي ولانس من كسر صيامها التاريخي عن الألقاب، لتعيد تشكيل هويتها بعد عقود من الانتظار.
ولم يقتصر مشهد "الاستفاقة" على استعادة العراقة المفقودة فحسب، بل شهد الموسم أيضاً ولادة أبطال جدد كتبوا أسماءهم في سجلات المجد للمرة الأولى، مما يجعل هذا الموسم يُذكر طويلاً كعام إنهاء القطيعة مع منصات التتويج.
في إنجلترا، حقق أرسنال المعجزة التي انتظرها مشجعوه منذ موسم 2003-2004. بعد 22 عامًا من الانتظار، نجح "الغانرز" في حسم لقب البريميرليغ، موجهين ضربة قوية لهيمنة مانشستر سيتي.
لم يكن التتويج بالدوري للمرة الرابعة عشرة في تاريخه مجرد لقب، بل كان بمثابة عودة لهيبة النادي اللندني الذي عانى طويلاً في الظل.
قد يصبح هذا الموسم الاستثنائي أكثر تميزًا لأرسنال عندما يواجه باريس سان جيرمان في نهائي دوري أبطال أوروبا في بودابست يوم 30 مايو، سعيًا للتتويج باللقب للمرة الأولى.
إذا تحقق ذلك، فإن فريق المدرب أرتيتا سيُعتبر واحدًا من أعظم الفرق في تاريخ النادي الممتد على مدار 140 عامًا.
أما في فرنسا، فقد نجح لانس في الفوز بلقب الكأس لأول مرة في تاريخه، مما أعاد الاعتبار للنادي الذي يمثل كفاح الشمال الفرنسي. انتهى غياب لانس عن الألقاب الكبرى بعرض فني رائع في النهائي، مثبتاً أن التخطيط السليم يمكن أن يتفوق على الميزانيات الكبيرة.
كان لانس قد خسر ثلاثة نهائيات سابقة في مسابقة الكأس أعوام 1948 و1975 و1998، لينهي واحدًا من أفضل مواسمه في العقود الأخيرة بتتويج تاريخي طال انتظاره.
عربياً، بعد 11 عامًا من الغياب عن لقب الدوري، وعلى الرغم من الأزمات المالية التي هددت وجود النادي، استطاع النادي الأفريقي العودة إلى منصة التتويج بعد التغلب على الغريم الترجي التونسي في الجولة قبل الأخيرة بهدف غيث الزعلوني.
يعود آخر لقب دوري أحرزه فريق "باب الجديد" إلى موسم 2014-2015، حيث يمتلك الأفريقي 14 لقبًا للدوري.
هذا اللقب لم يكن مجرد إنجاز فني، بل كان بمثابة انتصار لجمهور "الأحمر والأبيض" الذي ضخ في مناسبات عديدة ملايين الدينارات التونسية لإنقاذ النادي، ليكون اللقب مكافأة لهذا الوفاء الجماهيري الأسطوري.
بعد تتويجه بلقب الدوري، كسر الأفريقي هيمنة الترجي التونسي الذي يحمل 34 لقبًا.
لم يقتصر الأمر على أرسنال ولانس والأفريقي، بل امتدت الظاهرة لتشمل دوريات أوروبية أخرى بأرقام مذهلة:
لاسك لينز النمساوي: حقق اللقب بعد غياب 61 عامًا (منذ عام 1965)، منهياً سيطرة "ريد بول سالزبورغ" التي استمرت لعقد كامل.
آرهوس الدنماركي: استعاد العرش بعد 40 عامًا من الغياب (آخر لقب عام 1986).
فيكينغ النرويجي وكرايوفا الروماني: كلاهما كسر صيامًا دام 35 عامًا، حيث عادا لمنصة التتويج لأول مرة منذ التسعينيات.
ليفسكي صوفيا البلغاري: عاد بطلاً بعد 17 عامًا، والمجر (جيور) بعد 13 عامًا.
هذا الموسم لم يكن مجرد عودة إلى منصات التتويج، بل شهد أيضاً ولادة أبطال جدد في دوريات أوروبية:
ثون السويسري: حقق لقب الدوري لأول مرة في تاريخه الممتد لـ 128 عامًا.
ميالبي السويدي: انتظر 87 عامًا ليرفع لقب الدوري السويدي للمرة الأولى.
صباح الأذربيجاني: حقق اللقب بعد 8 سنوات فقط من تأسيسه، في قصة صعود صاروخية.
تحقيق هذه الإنجازات لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تقاطع عدة عوامل "استراتيجية" و"نفسية" اشتركت فيها هذه الأندية رغم تباعد جغرافيتها. إليك بعض العوامل التي ساهمت في كسر هذه الأندية لصيامها الطويل:
الاستثمار في "المشاريع" لا "الأسماء" (نموذج أرسنال ولانس)
بدلاً من شراء النجوم الجاهزين بأسعار فلكية، اعتمدت هذه الأندية على بناء هوية فنية واضحة:
أرسنال: صبرت الإدارة على المدرب الإسباني "ميكيل أرتيتا" لسنوات رغم الانتقادات، ومنحته الحرية في التخلص من النجوم ذوي الرواتب العالية وبناء فريق بمتوسط أعمار صغير هو الأقل في الدوري.
لانس: اعتمد على كشافة محترفين استقطبوا مواهب مغمورة من أفريقيا ودوريات الظل، وتم توظيفهم في منظومة جماعية صارمة جعلت الفريق يبدو كتلة واحدة لا تعتمد على فرد.
دعم الجماهير والضغط الشعبي (النادي الإفريقي)
في حالة النادي الإفريقي، كان الجمهور هو "المدير المالي" و"المحفز الفني"، إذ عاد النادي من حافة الإفلاس بفضل حملات تبرع جماهيرية ضخمة أطلق عليها اسم "لطخة" سددت ديون النادي لدى الفيفا.
هذا الدعم اللامحدود جعل لاعبي الأفريقي يشعرون بأنهم مدينون للجماهير، مما دفعهم للقتال بشدة في مباريات الدوري الحاسمة.
استغلال "تراجع" الأندية المهيمنة
نجحت أندية مثل لاسك لينز وثون وليفسكي صوفيا في حصد اللقب عبر استغلال مرحلة "انتقال" تمر بها المحتكرون مثل سالزبورغ أو لودوغوريتس، التي عانت من تغييرات إدارية وفنية، مما أضعف تماسكها.
كانت هذه الأندية الغائبة مستعدة تمامًا ببدلاء جاهزين ومنظومة دفاعية قوية، واستغلت تعثر الكبار ولم تفرط في النقاط السهلة.
الاستقرار الذهني و"كسر العقدة"
السر الحقيقي كان في التحضير الذهني. الأندية التي تغيب عن الألقاب لعقود تعاني من "فوبيا الأمتار الأخيرة". وظفت أندية مثل آرهوس وكرايوفا معدّين ذهنيين لمساعدة اللاعبين على تحمل الضغط الإعلامي والجماهيري في الجولات الأخيرة، مما منع الفريق من الانهيار كما حدث في مواسم سابقة.
إن صعود هذه الأندية مجددًا إلى منصات التتويج وتتويج آخرين باللقب لأول مرة يثبت أن الزمن مهما طال، فإن العراقة تظل حية، وأن "البطل" قد يمرض لكنه لا يموت أبداً.