ظاهرة دفتر ملاحظات مدرب اليابان في كأس العالم 2026
لم يكن مشهد مدرب المنتخب الياباني، هاجيمي مورياسو، وهو يدون ملاحظاته على خط التماس خلال مباريات كأس العالم 2026 حدثًا عاديًا بالنسبة للجماهير، بل تحول إلى واحدة من أكثر الظواهر إثارة للفضول والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد أعادت الكاميرات التقاطه ممسكًا بدفتره الشهير الذي رافقه منذ مونديال قطر 2022.
بينما يواصل منتخب "الساموراي الأزرق" تقديم عروض قوية أمام كبار المنتخبات، عاد الحديث عن "نوتة مورياسو"، التي أطلق عليها المشجعون مازحين اسم "مذكرة الموت" أو "Death Note"، في إشارة إلى سلسلة الأنمي اليابانية الشهيرة التي يملك بطلها دفترا يمنحه القدرة على التحكم بمصير الآخرين.
خلال مواجهة اليابان وهولندا في دور المجموعات، والتي انتهت بالتعادل 2-2، التقطت الكاميرات مجددًا مورياسو وهو يكتب ملاحظاته بهدوء على دكة البدلاء، لتنتشر الصور بسرعة عبر مواقع التواصل، مرفقة برسومات لشخصية "ريوك" من مسلسل "ديث نوت" وكأنه يقف خلف المدرب الياباني بانتظار الاسم التالي الذي سيكتبه.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يثير فيها دفتر المدرب الياباني اهتمام الجماهير، إذ بدأت القصة خلال مونديال 2022 عندما اعتاد المخرجون التلفزيونيون إظهار مورياسو وهو يدون ملاحظاته بينما كانت اليابان تحقق انتصارات مدوية على ألمانيا وإسبانيا.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح ظهور الدفتر جزءًا من المشهد المعتاد للمنتخب الياباني، حتى إن بعض المشجعين باتوا يربطون بين فتحه وتحقيق النتائج المفاجئة. لكن المفارقة جاءت خلال فوز اليابان الكبير على تونس برباعية نظيفة في مونتيري، حيث لاحظ المشجعون غياب الدفتر عن يد مورياسو طوال المباراة.
وأشارت تقارير يابانية إلى أن الجماهير لم تتحدث هذه المرة عن محتوى المذكرات، بل عن اختفائها. كتب أحد المشجعين على منصة "إكس": "هذه المرة مورياسو لم يفتح دفتره"، بينما علق آخر: "كنت أشعر أن هناك شيئًا ناقصًا، ثم أدركت أن المدرب لم يكتب أي ملاحظات".
ذهب بعض المدونين إلى السخرية قائلين إن "مورياسو لم يحتج حتى إلى إخراج دفتره"، في إشارة إلى السيطرة الكاملة التي فرضها المنتخب الياباني على المباراة. ورأت وسائل إعلام يابانية أن المباراة سارت بصورة مثالية لدرجة أن المدرب لم يكن بحاجة إلى تدوين أي ملاحظات.
ورغم الطابع الفكاهي الذي اكتسبه الموضوع، فإن المدرب الياباني لا يتعامل مع دفتره باعتباره مجرد عادة، بل يعده جزءًا أساسيًا من فلسفته التدريبية. وبحسب تقارير ومقالات يابانية تناولت ما يعرف بـ"أسلوب مورياسو في التدوين"، فإنه يسجل باستمرار الأفكار والملاحظات التي يمكن أن تفيد الفريق في المباريات المقبلة، إضافة إلى الأخطاء التي تحتاج إلى تصحيح والتوقعات التي قد تواجه المنتخب مستقبلاً.
تشير تقارير يابانية إلى أن المدرب يستخدم اللون الأزرق لتدوين النقاط الإيجابية، بينما يخصص اللون الأحمر لتسجيل المشكلات والجوانب التي تحتاج إلى تحسين. كما يعتمد على ترك مساحات فارغة لإضافة ملاحظات جديدة لاحقًا، قبل تحويل هذه الأفكار إلى تعليمات مباشرة للاعبين أو إلى تعديلات تكتيكية أثناء المباريات.
يرى خبراء يابانيون أن سر هذه الطريقة يكمن في عدم الاكتفاء بتسجيل المعلومات، بل تحويلها فورا إلى قرارات عملية. ولم تتوقف علامات الاستفهام عند الدفتر فقط، إذ لفت الجهاز الفني الياباني الأنظار أيضًا باستخدام ألواح بيضاء تحمل أرقامًا من واحد إلى خمسة، تمثل تعليمات تكتيكية مشفرة يفهمها اللاعبون فقط.
ورغم أن الاتحاد الياباني لم يوضح رسميًا معنى هذه الرموز، فإن الغموض المحيط بها زاد من فضول الجماهير، خاصة مع النتائج اللافتة التي يحققها الفريق. ويرى محللون أن نجاح المنتخب الياباني لا يرتبط بدفتر الملاحظات وحده، بل بمشروع طويل الأمد يقوده مورياسو منذ عام 2017.
وأشارت مدونة "جويز سنترال" الإسبانية إلى أن المدرب أمضى ثماني سنوات في بناء منظومة يعرف فيها اللاعبون بعضهم البعض "كما يعرفون راحة أيديهم". كما أشادت بتواضع المدرب الياباني، الذي استغل مؤتمره الصحفي عقب مواجهة هولندا لتوجيه الشكر إلى الكرة الهولندية، قائلاً إن المدرب الهولندي هانس أوفت كان له تأثير كبير على تطوره الشخصي، مضيفًا أن عددًا من المدربين الهولنديين ساهموا أيضًا في تطوير كرة القدم اليابانية.
منذ توليه المهمة، حقق مورياسو 72 انتصارًا في 103 مباريات، ونجح في قيادة اليابان إلى سلسلة من النتائج البارزة أمام منتخبات كبرى، فقد فاز على ألمانيا مرتين، وحقق انتصارًا تاريخيًا على البرازيل، وتغلب على إسبانيا وتركيا بفارق أربعة أهداف، كما أصبح أول مدرب يقود منتخبًا آسيويًا للفوز على إنجلترا قبل أشهر قليلة من انطلاق كأس العالم.
ذكرت تقارير أن مورياسو لم ينس سؤالًا ساخرا وجه إليه قبل 36 عامًا أثناء فترة تدريبية قضاها مع مانشستر يونايتد، عندما سأله أحدهم: "هل يعرف اليابانيون أصلاً كيف يلعبون كرة القدم؟". ومنذ ذلك الوقت، وضع هدفًا واضحًا يتمثل في بناء منتخب يفرض احترامه على العالم.
ورغم سيل النكات والرسومات المرتبطة بـ"مذكرة الموت"، فإن كثيرين يرون أن دفتر مورياسو يعكس ببساطة فلسفة قائمة على التفكير المستمر والانتباه للتفاصيل. بينما يتجه العالم أكثر نحو التكنولوجيا والتحليلات الرقمية، لا يزال المدرب الياباني متمسكًا بالقلم والورقة، في مشهد بات مألوفًا في بطولات كأس العالم.
ومع كل نتيجة جديدة يحققها "الساموراي الأزرق"، يعود السؤال نفسه للظهور على مواقع التواصل: ما الذي يكتبه هاجيمي مورياسو في دفتره؟
وُلد مدرب المنتخب الياباني، مورياسو، عام 1968 في محافظة ناغاساكي، ولعب في مركز الوسط مع سانفريتشي هيروشيما ومنتخب اليابان، قبل أن يتحول إلى التدريب بعد اعتزاله عام 2004. تولى تدريب هيروشيما بين عامي 2012 و2017، وقاده إلى ثلاثة ألقاب في الدوري الياباني، قبل أن يتولى تدريب المنتخب الأول عام 2018، ثم جدد الاتحاد الياباني لكرة القدم عقده بعد مونديال قطر 2022 ليصبح أول مدرب ياباني يقود المنتخب لفترتين متتاليتين.