اليمين الأوروبي يستغل مونديال 2026 لتأجيج خطاب الكراهية ضد المهاجرين
برز اليمين الأوروبي بشكل ملحوظ خلال مونديال 2026، مستفيدًا من كل مباراة يخوضها منتخب أوروبي لإعادة نشر رواياته المناهضة للمهاجرين والمسلمين، من خلال محتوى يهدف إلى تشويه صورتهم وتحفيز خطاب الكراهية ضدهم.
كانت المزاعم حول تورط المهاجرين في أعمال شغب عقب المباريات واحدة من أبرز ركائز هذا الخطاب، حيث بلغت ذروتها خلال مواجهتي المغرب أمام هولندا في دور الـ32 وفرنسا في ربع النهائي.
مع مباراة فرنسا وإسبانيا في نصف نهائي كأس العالم، استمرت تلك الحسابات في نهجها، حيث تداولت منشورات زعمت أن مهاجرين أشعلوا أعمال شغب في باريس عقب خسارة المنتخب الفرنسي.
كما تم نشر مقاطع فيديو ادعت أنها توثق حرائق واضطرابات اندلعت في العاصمة الفرنسية بعد انتهاء المباراة.
ومع ذلك، أظهر تحقيق وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة أن المقاطع المتداولة لا علاقة لها بأحداث ما بعد مباراة فرنسا وإسبانيا، بل تعود إلى اضطرابات شهدتها باريس في أواخر مايو 2026، حيث أُعيد نشرها خارج سياقها الحقيقي لدعم رواية مضللة.
المقطع الأول المتداول يظهر أشخاصًا يركضون في شارع تجاري تصطف على جانبيه المحال والسيارات، بينما تشتعل النيران في عدد من الدراجات، في وقت تطارد فيه الشرطة الفرنسية حشودًا من الموجودين في المكان.
انتشر هذا المقطع عبر حسابات إعلامية وأخرى متخصصة في تغطية كأس العالم، حيث زعمت المنشورات أنه يوثق أعمال شغب اندلعت في باريس عقب خسارة المنتخب الفرنسي أمام إسبانيا. كما أعادت وسائل إعلام عربية وحسابات إخبارية أخرى نشره بنفس السياق.
لكن فريق التحقق رصد مؤشرًا بصريًا يتناقض مع هذه الرواية، حيث ظهر عدد من الأشخاص في المقطع وهم يرتدون قمصانًا وشعارات نادي باريس سان جيرمان، وليس قمصان المنتخب الفرنسي.
وبإجراء بحث عكسي عن لقطات الفيديو، تبين أن المشاهد متداولة منذ 30 مايو 2026، وتوثق الاضطرابات التي شهدتها العاصمة الفرنسية عقب تتويج باريس سان جيرمان بلقب دوري أبطال أوروبا على حساب أرسنال، ولا تمت بصلة للأحداث التي أعقبت مباراة فرنسا وإسبانيا.
كان باريس سان جيرمان قد تغلب على أرسنال بنتيجة 4-3 بركلات الترجيح، بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل بهدف لكل فريق، في المباراة النهائية التي أقيمت على ملعب بوشكاش أرينا في العاصمة المجرية بودابست.
أما المقطع الثاني، فيبدأ بحرائق مشتعلة في أحد شوارع باريس، وسط تجمع أعداد كبيرة من الأشخاص، قبل أن يُسمع دوي انفجار يعقبه تصاعد ألسنة اللهب. تُظهر لقطات أخرى أشخاصًا يحطمون سيارات ويضرمون النار فيها، إلى جانب إطلاق ألعاب نارية باتجاه قوات الشرطة.
تداولت حسابات على منصات التواصل الاجتماعي هذه المشاهد بزعم أنها توثق أعمال شغب اندلعت في باريس عقب خسارة المنتخب الفرنسي أمام إسبانيا في نصف نهائي كأس العالم 2026.
إلا أن البحث العكسي الذي أجراه فريق التحقق أظهر أن المقطع ليس حديثًا، بل يعود إلى الاضطرابات التي شهدتها العاصمة الفرنسية عقب نهائي دوري أبطال أوروبا في أواخر مايو 2026.
كما أظهرت مقاطع نشرتها منصات ووسائل إعلام فرنسية آنذاك مشاهد مطابقة لأعمال التخريب والمواجهات بين بعض المشجعين وقوات الشرطة، التي ردت باستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود، ما يؤكد أن الفيديو لا علاقة له بمباراة فرنسا وإسبانيا أو بالأحداث التي أعقبتها.
أظهر تتبع التفاعل أن حسابات محسوبة على اليمين المتطرف الأوروبي كانت من أوائل الجهات التي روجت مقاطع الفيديو، وأرفقتها بتعليقات تربط أعمال الشغب بالمهاجرين، وتصورهم بوصفهم المسؤولين المباشرين عن العنف والاضطرابات.
كتب الناشط البريطاني اليميني المتطرف تومي روبنسون في إحدى التغريدات: "أُقصيت فرنسا من كأس العالم، وبدأ شغب الغزاة.. اجمعوهم واطردوهم من البلاد"، وهي تغريدة حظيت بانتشار واسع، وتجاوز عدد الإعجابات عليها 23 ألفًا.
كما رافق تداول المقاطع استخدام عبارات مثل: "حرب أهلية" و"تدمير باريس" و"هذا ما يجلبه الإسلام"، وهي تعبيرات استُخدمت لتأطير المشاهد ضمن سرديات معادية للمهاجرين والمسلمين، رغم أن المقاطع لا توثق الأحداث التي زُعم أنها مرتبطة بها.
في السياق نفسه، نشر حساب صحيفة La Derecha Diario منشورًا جاء فيه: "مجموعات من البرابرة العرب والأفارقة بدأت في تدمير شوارع باريس بعد خروج فرنسا من كأس العالم".
كما كتب أحد الحسابات: "من جديد في باريس، حشود من المهاجرين الأفارقة تثور، مع تخريب المتاجر والأعمال التجارية، والهجوم على الشرطة، وحرق كل شيء، بينما يسمي اليسار ذلك إثراءً ثقافيًا".
يُظهر تتبع التفاعل أن الرواية المضللة لم تقتصر على فضاء لغوي واحد، بل انتشرت عبر حسابات ناطقة بالإنجليزية والفرنسية والألمانية، مما يعكس درجة عالية من التداخل في تداول المحتوى، وإعادة إنتاج السردية نفسها عبر شبكات مختلفة بهدف ربط أحداث قديمة بوقائع مونديال 2026 والتحريض ضد المهاجرين.
فازت إسبانيا على فرنسا بهدفين دون رد في المباراة التي أقيمت مساء الثلاثاء 14 يوليو 2026 على ملعب دالاس في الولايات المتحدة، ضمن نصف نهائي كأس العالم.
شهدت مدن فرنسية بالفعل اضطرابات محدودة عقب خسارة المنتخب، بالتزامن مع احتفالات العيد الوطني الفرنسي، وتحدثت تقارير عن توقيف أكثر من 141 شخصًا في أنحاء البلاد، معظمهم بسبب إطلاق الألعاب النارية باتجاه قوات الأمن. وحسب بيان الشرطة الفرنسية فلم تسجل أي إصابات خطيرة.
يظهر تتبع البيانات الرسمية والتقارير الصحفية الفرنسية غياب أي ربط لأحداث الشغب بالمهاجرين أو "الأفارقة والعرب" كما سمتهم الحسابات، بل تحدثت الشرطة الفرنسية عن شغب محدود قاده مشجعون فرنسيون، وسيطرت الشرطة عليه.
كما أفادت صحيفة ليكيب الفرنسية أنه في نفس التاريخ العام الماضي، أُلقي القبض على 175 شخصًا خلال احتفالات اليوم الوطني الفرنسي، وهو ما يؤكد أن الأمر لا علاقة له بالمهاجرين من الأصل.