القوة الناعمة المغربية: تأثير كرة القدم على الصورة العالمية

القوة الناعمة المغربية: تأثير كرة القدم على الصورة العالمية

عندما قدم الأكاديمي والباحث السياسي الأمريكي الراحل جوزيف ناي مفهوم القوة الناعمة، لم يكن يسعى إلى إيجاد بديل للقوة العسكرية والاقتصادية، بل كان يسلط الضوء على نوع آخر من التأثير تم تجاهله لفترة طويلة. يتمثل هذا في قدرة الدولة على جعل الآخرين يرغبون في ما تريده، ليس بدافع الخوف أو الطمع، بل عن اقتناع وانجذاب.

في تصوره، مصدر هذه القوة يكمن في ثقافة الدولة وقيمها، وما يظهر من مصداقية في سلوكها الخارجي. إذا لم يكن هذا المحتوى جذابًا، فإن الدبلوماسية العامة لن تنجح في إنتاج أي قوة ناعمة.

في هذا السياق، يمكننا أن نفهم كرة القدم. فهذه اللعبة، التي تعد الأكثر شعبية في العالم، تمنح صاحبها حضورًا رمزيًا يتجاوز الحدود واللغات.

لكن الأطروحة التي يستند إليها هذا النص تتجاوز قراءة الحدث في لحظته المعزولة، لتعتبره عملية تراكمية. فقد كان مونديال قطر 2022 بمثابة زمن التأسيس وتراكم الرأسمال الرمزي للمغرب، بينما يمثل مونديال الولايات المتحدة 2026 زمن إشعاع هذا الرأسمال واختباره على أرض جديدة.

لا يمكن للقوة الناعمة أن تكون ناجحة تمامًا ما لم تُترجم جاذبيتها الرمزية إلى مكاسب مادية ملموسة. فقد ساهمت الصورة الإيجابية التي رسمت عن المغرب في قطر في كسر الصور النمطية الكلاسيكية المرتبطة بدول شمال أفريقيا.

تستشف القيم في أدبيات القوة الناعمة من السلوك وليس من الخطاب. وهنا يبرز مشهد لاعب مغربي يصعد إلى المدرج في قطر ليقبل رأس والدته، ليصبح رمزًا للمنتخب بأسره، ويعكس تراتبًا قيميًا تتصدره الأسرة.

وبما أن هذه الصور لم تُصنع للاستهلاك الخارجي، فقد اكتسبت مصداقية يصعب على الخطاب الموجه تحقيقها، مما ساهم في مراجعة التصورات المسبقة عن الرجل المسلم ذي الأصول العربية والأمازيغية والأفريقية.

إلى جانب القيم، لعب الرمز دورًا مهمًا. وفقًا لسيمون أنهولت، مؤسس مفهوم العلامة التجارية للدولة، تلعب الهوية البصرية دورًا حاسمًا في الصورة الذهنية. وهكذا، تحول القميص الأحمر بنقوشه المستوحاة من التطريز المغربي من لباس رياضي إلى لغة انتماء وسلعة مطلوبة في الأسواق. من يرتديه لا يعبر فقط عن تشجيعه، بل عن انتمائه إلى قصة وسردية جذابة في زمن أصبحت الهوية تُبنى فيه على السرد أكثر من كونها مرتبطة بالمكان والزمان.

هذا ما عكسته بوضوح صور أطفال برازيليين يرتدون القميص الرياضي المغربي في أزقة إمبراطورية كرة القدم. لكن هذا الأثر لم يكن ليتسع لولا البنية الرقمية التي حولت اللقطات الإنسانية لأسود الأطلس إلى ظاهرة عالمية تتكرر ذاتيًا.

هذا الرأسمال الرمزي المتراكم هو الذي عاد ليشع في نسخة 2026، التي تقام لأول مرة بمشاركة 48 منتخبًا وتنظيم مشترك بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. فالمنتخب الذي دخل قطر كمفاجأة، يدخل أمريكا وهو يحمل لقب أول منتخب عربي وأفريقي يصل إلى نصف نهائي كأس العالم، مما أصبح رصيدًا يسبقه إلى الملاعب.

ومع كل فوز جديد، مع نجوم أصبحوا أسماء عالمية مثل أشرف حكيمي وإبراهيم دياز ونصير مزراوي، تعود القصة للدوران من جديد، أمام جمهور أوسع وفي جغرافيا أبعد. ولم يعد البطل المنتخب وحده، بل جمهوره أيضًا، إذ تحول المشجعون المغاربة إلى أحد أبرز عناوين البطولة، حيث اعتبرتهم وسائل الإعلام الدولية من بين أكثر الجماهير تأثيرًا.

وهكذا، أصبح "الشتات" المغربي امتدادًا طبيعيًا لقوة الدولة الناعمة، يحمل قميص المنتخب الوطني إلى قلب المدن الأمريكية. ولا يمكن للقوة الناعمة أن تكون ناجحة تمامًا ما لم تترجم جاذبيتها الرمزية إلى مكاسب مادية ملموسة، حيث كسرت الصورة الإيجابية التي رسمت عن المغرب في قطر الصور النمطية، مما أثار فضول الملايين لاكتشاف جغرافيا وثقافة هذا البلد.

في السياحة، شهد المغرب زيادة ملحوظة في عدد الوافدين، متجاوزًا منافسين إقليميين راسخين، حيث بلغ عدد السياح نحو 20 مليون سائح عام 2025. لقد تحولت كرة القدم إلى أقوى حملة إعلانية مجانية في تاريخ السياحة المغربية، حملة بنيت على المشاعر الصادقة والإبهار والمشاركة الوجدانية، لا على عروض بأسعار تفضيلية.

تشير الإحصائيات إلى تدفق غير مسبوق للسياح من أسواق جديدة لم تكن تضع المغرب ضمن خياراتها الأولى، مثل أمريكا اللاتينية وآسيا وأوروبا الشرقية، مما تجاوز توقعات الدولة في المجال السياحي.

لقد فتحت كرة القدم نافذة نادرة لتشكيل رأسمال رمزي، وأثبت مونديال أمريكا أن هذا الرأسمال قابل للإشعاع في جغرافيا جديدة. ولكن بقاء هذه النافذة مفتوحة يعتمد على ما سيتم بناؤه خلفها من بنية تحتية ودبلوماسية ثقافية واستثمار في الإنسان. عندئذ، يصبح حضور أسود الأطلس رافعة ثابتة للإشعاع.

وبهذا المعنى، انتقل المغرب من بلد راكم رصيدًا رمزيًا إلى بلد يمتلك رأسمالًا وميزة قابلة للتوظيف. وقد بدأت المملكة المغربية تدرك أهمية هذه اللحظة، حيث خصصت الجامعة الملكية تذاكر مدعمة لتيسير حضور الجماهير، وبرمجت الخطوط الملكية المغربية رحلات إضافية نحو المدن المستضيفة بأسعار تفضيلية.

إن التجربة المغربية ليست وحيدة في زمانها، فقد سبقتها كرواتيا بعد نهائي 2018، لكن خصوصيتها تكمن في أنها لم تكتف باللحظة، بل راكمت عليها عبر نسختين، فانتقلت من المفاجأة إلى الترسيخ. ويبقى أن القوة الناعمة رصيد سريع العطب، يتراكم ببطء وينفرط بسرعة، ولا يصبح نفوذًا دائمًا ما لم تترجمه الدولة إلى سياسات عمومية ودبلوماسية رياضية محددة الأهداف.

Topics

Related news