فلسفة إدارة الضغوط في كرة القدم: بين التوقعات والواقع
تُدير مباريات كرة القدم ليس فقط في الملعب، بل أيضًا أمام الكاميرات والميكروفونات. بينما ينشغل الجمهور في تحليل الخطط والتشكيلات، يخوض بعض المدربين معركة أخرى لا تقل أهمية تتعلق بالتحكم في توقعات اللاعبين وضغوط الجماهير.
خلال كأس العالم 2026، ظهرت نماذج متعددة لهذه الفلسفة، حيث يتم إظهار شيء في العلن وإخفاء آخر في الداخل لحماية اللاعبين وتوفير أفضل بيئة ذهنية للمنافسة.
"لن أدمر ما بنيته".. مدرب تركيا يرد على دعوات رحيله بعد نكسة المونديال.
بسبب "الخلفية والتأهيل".. منتخب مصر يدخل موقعة إيران بغيابين مؤثرين.
يتميز حسام حسن بشخصية محبة للفوز في تاريخ الكرة المصرية، حيث لا يدخل أي منافسة إلا ويضع الفوز نصب عينيه. ويعتبر كأس العالم 2026 قمة مسيرته كمدرب.
وفقًا للإعلامي هاني حتحوت، أخبر حسام حسن لاعبي المنتخب المصري داخل المعسكر بأنه يهدف إلى الوصول إلى المربع الذهبي في كأس العالم، بينما صرح أمام وسائل الإعلام بأن الهدف هو التأهل فقط إلى الدور الثاني.
قد يبدو هذا تناقضًا للوهلة الأولى، لكنه يتماشى مع مدرسة التدريب المصرية القديمة التي أسسها المدرب الراحل محمود الجوهري. ففي كأس الأمم الإفريقية 1998، كان الجوهري يصرح بأن هدف المنتخب هو الوصول إلى المركز الثالث عشر، بينما كان يؤكد للاعبيه في الاجتماعات المغلقة أن الهدف الحقيقي هو الفوز بالبطولة.
تكرر هذا الأمر في كأس الأمم الإفريقية 2006، حيث كان الهدف المعلن للجماهير هو بلوغ نصف النهائي، بينما كان حسن شحاتة يتحدث مع اللاعبين عن التتويج باللقب، وهو ما تحقق في النهاية.
تعتمد هذه الفلسفة على تخفيف الضغط الخارجي، فعندما تعلن أهدافًا متواضعة، تقلل من حجم التوقعات الجماهيرية والإعلامية، بينما تحتفظ بطموحاتك الحقيقية داخل غرفة الملابس.
ديشان، مدرب فرنسا، حول هذه الفكرة إلى فلسفة متكاملة. نادرًا ما يتحدث في المؤتمرات الصحفية باعتبار فريقه المرشح الأول للبطولة، رغم امتلاكه مجموعة من أفضل اللاعبين.
على العكس، يحرص دائمًا على الإشادة بالمنافسين، مؤكدًا أن المباريات تُحسم بتفاصيل صغيرة، وأن كل المنتخبات قوية وقادرة على الفوز. وقد ظهر هذا في رسالته التي تم تصويرها من معسكر منتخب العراق، حيث أكد أن المنتخب العربي قادر على الفوز على فرنسا.
توجه هذه الرسائل لا يقتصر على الصحفيين، بل تشمل لاعبيه أيضًا. يدرك ديشان أن الخطر الأكبر الذي يواجه منتخبًا مليئًا بالنجوم ليس المنافس في الملعب، بل الشعور بأن الفوز أمر حتمي. ومن خلال التحكم في هذه المشاعر، يسعى إلى إدارة الضغوط بشكل متوازن.
في علم النفس الرياضي، يُعرف "الحمل المعرفي" بأنه كمية الطاقة الذهنية التي يستهلكها الفرد للتعامل مع الضغوط والمحفزات الخارجية. إدارة هذا الحمل تعتبر من الأمور الأساسية التي يجب أن يأخذها المدربون بعين الاعتبار.
كل عنوان صحفي سلبي، وكل انتقاد تلفزيوني، وكل سؤال استفزازي يضيف عبئًا جديدًا على اللاعب. ومع تراكم هذه الضغوط، قد تتراجع قدرة اللاعب على التركيز واتخاذ القرار داخل الملعب. هنا يأتي دور ديشان في منتخب فرنسا، حيث يتحمل جزءًا كبيرًا من هذه الضغوط نيابة عن لاعبيه.
حتى عندما يُسأل عن تألق نجم معين، غالبًا ما يعيد الفضل إلى العمل الجماعي أو التنظيم الدفاعي، في محاولة لإبعاد الأضواء عن الأفراد وترسيخ فكرة أن النجاح مسؤولية جماعية.
أما ماوريسيو بوتشيتينو، فقد استخدم أسلوبًا مشابهًا ولكنه في الاتجاه المعاكس. بينما يظهر إعلاميًا كمدرب هادئ ومنظم، يكشف لاعبو المنتخب الأمريكي عن خطاب مختلف تمامًا داخل غرفة الملابس.
أوضح اللاعب الأمريكي سيباستيان بيرهالتر أن المدرب الأرجنتيني يستخدم ألفاظًا حادة للغاية، حيث يكرر للاعبيه عبارة: "لا نصبح أمريكيين إذا قبلنا الإهانة في هذه الكأس". كما تحدث زميله تيموتي ويا عن "العدوانية الإيجابية والشخصية القوية التي زرعها الجهاز الفني."
يعمل بوتشيتينو على ضخ جرعات من الحماس والثقة داخل الفريق، بينما يتجنب تحويل هذه الرسائل إلى عناوين إعلامية قد تضاعف الضغط على لاعبيه.
في النهاية، لم تعد كرة القدم مقتصرة على إدارة دقائق المباراة فقط، بل تتطلب أيضًا إدارة المشاعر والتوقعات والضغوط. فكما تحتاج الفرق إلى خطة تكتيكية داخل الملعب، تحتاج أحيانًا إلى خطة نفسية خارج الملعب، لأن البطولات الكبرى لا تُحسم بالقدرات الفنية وحدها، بل أيضًا بالقدرة على التعامل مع الضغط عندما تكون الأضواء في أقصى درجات سطوعها.