إيطاليا تحقق انتصاراً تاريخياً في بطولة العالم للبيسبول

إيطاليا تحقق انتصاراً تاريخياً في بطولة العالم للبيسبول

بينما تتجه الأنظار إلى الملاعب العشبية لكرة القدم في إيطاليا، يسطر عدد من الإيطاليين فصلاً مميزاً، حيث يمثلون بلادهم في بطولة العالم للبيسبول المقامة في هيوستن، الولايات المتحدة الأمريكية.

فجر المنتخب الإيطالي للبيسبول أكبر مفاجآت بطولة العالم للبيسبول (WBC) بنسختها لعام 2026، بفوزه التاريخي على الولايات المتحدة بنتيجة 8-6.

بينما يتابع أساطير مدينة نيتونو، مثل روجيرو باجياليماني - الذي يروي قصص الأجيال عن زيارة أسطورة نيويورك يانكيز، جو ديماجيو، للمدينة - مجريات البطولة بفخر، يدرك الجميع أن ما حدث في هيوستن هو أكبر من مجرد فوز في مباراة.

هذا الانتصار ليس مجرد رقم في جدول البطولة، بل هو بمثابة "إعلان استقلال" رياضي للبيسبول الإيطالي الذي ظل لعقود يسعى للخروج من ظل كرة القدم وإرث الجنود الأمريكيين.

لم يأت هذا الفوز من فراغ، بل هو تتويج لمسيرة كفاح بدأت من أزقة مدينة إيطالية صغيرة قبل أكثر من 80 عاماً.

لا يمكن فهم صمود هذه الرياضة في إيطاليا دون العودة إلى مدينة نيتونو الساحلية، التي تبعد ساعة عن روما، والمُلقبة بـ"مدينة البيسبول".

خلال الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد إنزال القوات الأمريكية للحلفاء على الشواطئ الإيطالية في عام 1944، أحضر الجنود الأمريكيون معهم عادة لعب البيسبول خلال أوقات فراغهم، وبدأوا يمارسونها ويعلمونها للسكان المحليين. كان ذلك عاملاً أساسياً في إدخال اللعبة إلى الثقافة الإيطالية بعد الحرب.

منذ ذلك الحين، أصبحت نيتونو "المختبر" الذي يغذي المنتخبات الإيطالية، حيث يتنفس سكانها هذه الرياضة، ويرث الأطفال القفازات عن أجدادهم الذين تعلموا اللعبة من جنود الحلفاء.

وفقاً لتقارير عدة، بعد نهاية الحرب أُقيمت مباريات منتظمة بين الجنود والسكان المحليين، مما ساعد في نقل اللعبة بشكل مباشر من الثقافة الأمريكية إلى المجتمع الإيطالي، وأدى ذلك في السنوات التالية إلى تأسيس أول فرق وبطولات رسمية بحلول أواخر الأربعينيات.

يُعتبر ملعب ستينو بورغيزي الاحترافي من أفضل الملاعب، وغالباً ما تُلقب المدينة بـ"الولايات المتحدة الصغيرة" لشغفها الطويل باللعبة، كما أن فريقها يحمل الرقم القياسي في عدد البطولات في تاريخ البيسبول الاحترافي الإيطالي.

تأسس الاتحاد الإيطالي للبيسبول والسوفتبول في نهاية عام 1948 من خلال دمج رابطة البيسبول الإيطالية ورابطة السوفتبول الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية، ليصبح الهيئة المسؤولة عن تنظيم وإدارة اللعبة في إيطاليا.

الاتحاد وفر البيئة التي نمت فيها أندية قوية أثرت في الدوري المحلي وأثبتت نفسها في المنافسات الأوروبية:

فورتيتودو بيسبول بولونيا تأسس في عام 1953، ويعد واحداً من أنجح الأندية في تاريخ الدوري الإيطالي وقد فاز بالعديد من السكوديتو (بطولات إيطاليا) وحقق ألقاباً أوروبية.

نادي بارما للبيسبول تأسس في عام 1949، وهو من الأندية التقليدية التي حققت بطولات دوري إيطالي عدة والكثير من ألقاب كأس أوروبا للأندية.

لم يكن طريق "الآزوري" نحو النخبة العالمية مفروشاً بالورود، بل كان سلسلة من "الدروس القاسية" التي صقلت هوية الفريق:

كأس القارات 2010: حققت إيطاليا المركز الثالث والميدالية البرونزية بعد فوز ملحمي على تايبيه الصينية، وهي أول إشارة للقوة الإيطالية خارج القارة.

بطولة العالم 2013: شهدت البزوغ الحقيقي، حيث أطاحت إيطاليا بكندا والمكسيك وتأهلت للدور الثاني، قبل أن تخسر بصعوبة (بفارق نقطة واحدة) أمام عمالقة الكاريبي (الدومينيكان وبورتوريكو).

تحديات الناشئين (2017): كانت مشاركة فريق "إميليا" في بطولة العالم للصغار بمثابة استثمار في المستقبل؛ رغم الفوارق الفنية آنذاك، إلا أن هؤلاء الأطفال هم من شكلوا النواة الصلبة لجيل 2026 الحالي.

السيادة القارية: تملك إيطاليا 10 ألقاب أوروبية، وهي القوة الوحيدة التي استطاعت تاريخياً تهديد العرش الهولندي (صاحب الـ 24 لقباً).

خلف النجاح الفني يقف نظام دوري متطور (Serie A). منذ إعادة هيكلته في 2021، تحول الدوري الإيطالي إلى منظومة تضم 30 فريقاً محترفاً تعتمد نظام المجموعات والإقصائيات الشاقة.

هذا النظام وضع اللاعب الإيطالي في حالة تأهب دائمة، وسمح بدمج المواهب المحلية مع اللاعبين من أصول إيطالية القادمين من الدوريات الخارجية، مما خلق مزيجاً من "الانتماء الوطني" و"الخبرة الاحترافية".

كما تحول إلى اعتراف دولي بأن إيطاليا، التي صدّرت في فترات سابقة للعالم أعظم لاعبي كرة القدم، باتت اليوم قادرة على إسقاط "أسياد" البيسبول في عقر دارهم.

يعتبر ما حققته إيطاليا في هيوستن انتصاراً لـ "الصبر الإستراتيجي". فمن مدينة نيتونو الصغيرة التي علمتها الحرب كيف تمسك بالمضرب، إلى ملاعب بنسلفانيا التي صقلت ناشئيها في 2017، وصولاً إلى قهر "أسياد اللعبة" في 2026؛ أثبتت إيطاليا أن البيسبول لم يعد رياضة ثانوية، بل أصبح "مشروعاً وطنياً" قادراً على كتابة تاريخ ذهبي.

Topics

Related news