جدل تمثيل اللاعبين المحليين والمغتربين في المنتخبات العربية
مع اقتراب كل موعد لمنافسات كأس العالم، يثار سؤال حيوي: من الأحق بتمثيل المنتخب الوطني، اللاعب المحلي أم المغترب؟ تكتسب هذه المنافسة طابعاً خاصاً وحساسية كبيرة في سياق كأس العالم، حيث يعتبر الحدث عالمياً وتكون الفرصة نادرة، مما يجعل الصراع على المقاعد يتجاوز المنافسات الإقليمية والقارية.
لا يرتبط هذا الجدل فقط بالقيمة الرمزية للمونديال، بل أيضاً بتوقيت الحدث، إذ تتوقف الدوريات الكبرى في أوروبا والعالم العربي خلال فترة كأس العالم، مما يمنح اللاعبين فرصة كاملة للتركيز والاستعداد. وهذا يختلف عن البطولات القارية والإقليمية التي تقام غالباً وسط ضغط المنافسات الأوروبية.
تشتد حدة النقاش بسبب طبيعة المنافسة نفسها، حيث تجمع بطولة كأس العالم نخبة من المنتخبات واللاعبين، مما يخلق انطباعاً بأن اللاعب المغترب أو المحترف في أوروبا يمتلك أفضلية فنية وبدنية وتكتيكية مقارنة باللاعب المحلي.
إذا سلمنا بهذا الرأي بشكل مطلق، لكان النقاش قد انتهى منذ سنوات، وأصبح تمثيل اللاعب المغترب للمنتخبات العربية أمراً محسومًا. لكن التجارب المتعددة في المونديال أثبتت عكس ذلك في كثير من الأحيان.
فقد أظهر اللاعب المحلي في مناسبات عديدة مستوى فنياً وشخصية قوية، ولعب دون عقدة نقص أمام كبار العالم، بل كان حضوره أحياناً أكثر تأثيراً من اللاعب المغترب. كما أثبتت تجارب منتخبات عربية اعتمدت بشكل متفاوت على اللاعبين المحليين أن فرضية تفوق المغتربين ليست صحيحة بالضرورة.
أعادت القوائم الموسعة للمنتخبات العربية التي تعتمد على المزج بين المحليين والمغتربين - مثل المغرب والجزائر وتونس ومصر - فتح النقاش حول نظرة الفنيين للاعب المحلي وثقة المدربين فيه.
استدعى محمد وهبي، مدرب منتخب المغرب، سبعة أسماء محلية ضمن قائمته الموسعة قبل الحسم النهائي للقائمة التي ستمثل "أسود الأطلس" في مونديال 2026.
تضمنت القائمة حارسي الرجاء ونهضة بركان، المهدي الأحرار ومنير الكجوي، إضافة إلى سعدان مروان مدافع الفتح الرباطي وسفيان بنجديدة لاعب المغرب الفاسي، وجميعهم ينشطون في البطولة المغربية.
كما شملت القائمة محمد الشيبي مدافع بيراميدز المصري وسفيان بوفتيني لاعب الوصل الإماراتي ويوسف بلعمري لاعب الأهلي المصري، وهم لاعبون ينشطون في بطولات عربية خارج المغرب.
في المقابل، لم تشمل القائمة الموسعة بعض الأسماء المرتبطة بالتزامات مع أنديتها مثل ياسين بونو مع الهلال السعودي وأشرف حكيمي مع باريس سان جيرمان وعز الدين أوناحي مع جيرونا.
من أصل 28 لاعباً، تبدو حصة اللاعب المحلي ضعيفة للغاية، إذ لم تضم القائمة سوى سبعة لاعبين محليين، ما يفتح باب التساؤلات حول موقع اللاعب المحلي في تصور المدرب.
الصورة نفسها تتكرر في الجزائر، حيث استدعى المدرب فلاديمير بيتكوفيتش 11 لاعباً فقط من البطولة الجزائرية ضمن قائمة موسعة تضم 55 اسماً، بينهم ستة حراس مرمى.
تضمنت القائمة شعال ورمضان من مولودية الجزائر، وبن بوط من اتحاد العاصمة، وبولحفاية من شباب قسنطينة، وقندوز من شباب بلوزداد، إلى جانب سعدي رضواني ومحمد رضا حلايمية ونوفل خاسف وأشرف عبادة وزين الدين بلعيد.
لكن اللافت أن القائمة لم تتضمن أي لاعب وسط أو مهاجم من البطولة الجزائرية، رغم وجود أسماء محلية بارزة، بينما ضمت لاعبين سبق لهم اللعب في الدوري الجزائري ويحترفون حالياً في بطولات عربية مثل بغداد بونجاح وياسين براهيمي.
يتوقع أن يتراجع الحضور المحلي أكثر في القائمة النهائية، مع إمكانية الاكتفاء بثلاثة لاعبين فقط من البطولة الجزائرية.
الأمر ذاته ينطبق على تونس، حيث أعلن صبري لموشي قائمة تضم ستة لاعبين فقط من البطولة المحلية، بينهم ثلاثة حراس مرمى.
المفارقة أن تونس لم تكن تاريخياً تعتمد بشكل واسع على المغتربين مقارنة بالمغرب والجزائر، لكنها اليوم تتجه تدريجياً نحو توسيع قاعدة اللاعبين الناشطين في أوروبا، مما قلص من مساحة اللاعب المحلي.
أما العراق، فيبدو حالة مختلفة نسبياً، إذ يعد من النماذج العربية الأكثر توازناً بين اللاعب المحلي والمحترف أو المغترب، في حين تبقى منتخبات قطر والسعودية ومصر والأردن الأكثر اعتماداً على اللاعب المحلي، ليس بالضرورة نتيجة قناعة فنية، بل بسبب محدودية قاعدة المغتربين في أوروبا مقارنة ببلدان المغرب العربي.
الأفضلية بين الواقعية والمجاملة
يحظى اللاعب المغترب بأفضلية شبه مطلقة مقارنة باللاعب المحلي، حتى وإن كان الأخير يقدم مستويات تنافسية عالية. وتتعدد الأسباب وراء ذلك.
أولها ما يمكن تسميته بـ "عقدة الأجنبي"، حيث لا يزال جزء من العقل الكروي العربي ينظر إلى القادم من أوروبا باعتباره أفضل تكويناً وانضباطاً.
ثانيها جلد الذات، حيث يتم التسليم ضمنياً بأن ما تنتجه البطولات المحلية أقل قيمة، وأن اللاعب المحلي يبقى أدنى من نظيره الأوروبي.
أما العامل الثالث فيرتبط بـ "العرض والطلب"، حيث تبذل العديد من الاتحادات جهوداً لإقناع اللاعبين المغتربين بتمثيل منتخبات أصولهم، مما يجعلها أكثر استعداداً لتقديم امتيازات.
في المقابل، لا يحظى اللاعب المحلي بالدعم نفسه، وغالباً ما يبقى رهين ضغط الإعلام المحلي أو الرأي العام.
لكن المشكلة الأكبر تكمن في معايير التقييم نفسها. فمن غير المنطقي تهميش لاعب محلي متألق لصالح لاعب احتياطي في فريق أوروبي من درجة ثانية فقط لأنه "يحترف في أوروبا".
لا يعني وجود لاعب في نادٍ أوروبي كبير أنه أفضل تلقائياً من لاعب محلي يملك نسقاً تنافسياً أعلى.
فاللاعب يُقاس بمردوده واستمراريته، لا بجواز سفره الرياضي فقط.
تأثير ذلك على البطولات المحلية
هذا التوجه لا ينعكس فقط على خيارات المنتخبات الوطنية، بل يترك آثاراً عميقة على المنظومة الكروية المحلية بأكملها، بداية من اللاعب الصغير في الفئات السنية وصولاً إلى صورة البطولة المحلية.
من أبرز هذه الآثار هو ضياع المواهب، حيث يفقد كثير من اللاعبين المحليين الحافز عندما يشعرون أن أبواب المنتخب مغلقة أمامهم، مما يؤدي إلى تراجع الرغبة في التطور.
ولا يقتصر الأمر على اللاعبين فقط، بل يمتد إلى الأندية التي تصبح أقل اقتناعاً بجدوى الاستثمار في التكوين، ما يدفعها إلى اتخاذ حلول سريعة.
كما يؤثر ذلك على الحضور القاري للأندية العربية، حيث ينعكس ضعف الثقة في اللاعب المحلي على جودة التكوين.
أما الفئات السنية، فهي المتضرر الأكبر، حيث عندما تغيب الرؤية الواضحة، تتراجع جودة التكوين.