قصة برنهارد تراوتمان: من أسر الحرب إلى أيقونة كرة القدم

قصة برنهارد تراوتمان: من أسر الحرب إلى أيقونة كرة القدم

في ربيع عام 1945، بينما كانت أوروبا تتعافى من آثار الحرب، كان الشاب الألماني برنهارد كارل تراوتمان يسير في طابور الأسرى البريطانيين، محاطًا بنظرات الكراهية.

لم يكن أحد يتصور، بما في ذلك هو، أن هذا الجندي السابق في سلاح الجو الألماني (اللوفتفافه) سيصبح بعد سنوات قليلة رمزًا يُرفع له الأعلام في شوارع مانشستر، وأن كسرًا في رقبته سيفتح بابًا للتفاهم الإنساني ويكسر حاجز الكراهية.

وُلد برنهارد تراوتمان لعائلة من الطبقة العاملة في بريمن بألمانيا عام 1943. في سن العاشرة، انضم إلى "يونغفولك"، فرع الشباب من "شباب هتلر"، وهي منظمة تهدف إلى زرع الأيديولوجية النازية في نفوس الأطفال من خلال الأنشطة الرياضية والاستعراضات.

مع بداية الحرب العالمية الثانية، انضم تراوتمان إلى سلاح الجو الألماني وخدم كمظلي. قاتل في الجبهة الشرقية لمدة ثلاث سنوات وحصل على خمس ميداليات. لاحقًا، نُقل إلى الجبهة الغربية حيث وقع في أسر البريطانيين مع اقتراب الحرب من نهايتها.

بصفته جنديًا متطوعًا، صُنِّف كسجين من الفئة "ج"، مما يعني أنه كان يُعتبر نازيًا. كان من بين 90 جنديًا فقط نجوا من الحرب من فوجه الأصلي الذي كان يضم ألف جندي، وتم نقله إلى معسكر أسرى حرب في أشتون، لانكشاير.

في وقت لاحق، رفض برنهارد تراوتمان العودة إلى وطنه، وبعد إطلاق سراحه في عام 1948، قرر الاستقرار في منطقة لانكشاير، حيث عمل في الزراعة ولعب كرة القدم لفريق سانت هيلينز تاون المحلي.

بفضل أدائه المتميز في سانت هيلينز، حصل تراوتمان على لقب "بيرت" الإنجليزي، مما جذب انتباه الأندية الكبرى. في عام 1949، انضم إلى مانشستر سيتي، الذي كان يلعب في دوري الدرجة الأولى آنذاك.

عند إعلان السيتي عن تعاقده مع الحارس الألماني، اندلعت موجة من الغضب في المدينة، حيث تجمع الآلاف للتعبير عن احتجاجهم على "التعاقد النازي"، وتلقّى تراوتمان العديد من الرسائل المعارضة.

حتى صحيفة ديلي ميرور انتقدت الصفقة بعنوان ناري: "يوقعون مع العدو!". لكن مدرب الفريق، جوك تومسون، تمسك بقراره، مؤكدًا: "اشتريت لاعبًا، لا جواز سفره. شاهدوه يلعب أولًا".

لم يخيب تراوتمان آمال مدربه، حيث حول صفارات الاستهجان إلى هتافات خلال أشهر، وشارك في جميع مباريات النادي الـ250 التالية، باستثناء خمس مباريات.

قال المدافع السابق للسيتي، فرانك سويفت: "كانت الكرات تتفجر كالقنابل في منطقة الجزاء، لكن بيرت كان يجمع شظاياها بهدوء. علمنا أن الرجل وراء القفازات مختلف".

تميز تراوتمان في صد الكرات، وخاصة ركلات الجزاء، حيث تصدى لـ60% منها طوال مسيرته. بالإضافة إلى رد فعله الرائع، تميز أيضًا بصلابته وشجاعته في التصديات.

فاز بيرت تراوتمان بجائزة أفضل حارس مرمى عام 1956، وساهم في فوز مانشستر سيتي بلقب كأس الاتحاد الإنجليزي بعد الفوز على برمنغهام سيتي في 5 مايو/أيار 1956.

في الدقيقة 75 من نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي، أصيب بيرت تراوتمان في رقبته بعد اصطدامه بركبة لاعب برمنغهام سيتي، بيتر مورفي. سقط على الأرض فاقدًا الوعي لثوانٍ، ثم نهض ممسكًا برأسه المتدلي. لم يكن مسموحًا بدخول أي لاعب بديل في تلك الفترة، لذا واصل تراوتمان المباراة وهو في حالة ذهول.

خلال الدقائق الـ15 المتبقية، دافع عن مرماه وتصدى لعدة فرص حاسمة، مما ساعد مانشستر سيتي على الفوز 3-1.

اعترف تراوتمان لاحقًا أنه قضى الجزء الأخير من المباراة "في حالة من الغموض". لم يُكشف عن خطورة إصابته إلا بعد إجراء فحص بالأشعة السينية بعد أربعة أيام، حيث شخّص طبيبه كسرًا في الفقرة، وأُصيب الطبيب الذي فحصه لاحقًا بالدهشة: "لعب وكأنه لا يعرف أن فقراته العنقية تحولت إلى قطع بازل! لو تحركت إحداها، لشُل أو مات".

استغرق تعافي تراوتمان عدة أشهر، مما أدى إلى غيابه عن جزء كبير من موسم 1956-1957. وخلال هذه الفترة العصيبة، فقد تراوتمان وزوجته الإنجليزية، مارغريت، ابنهما البكر جون، الذي لقي حتفه في حادث سيارة بعد بضعة أشهر من نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي، عن عمر يناهز خمسة سنوات.

أنجب بيرت ومارغريت ولدين آخرين، لكن زواجهما تأثر سلبًا بوفاة جون. انفصل الزوجان عام 1974، ثم تزوج تراوتمان مرتين أخريين.

ما قام به تراوتمان لم يكن مجرد إنجاز رياضي، بل ثورة اجتماعية، ففي عام 1956 أصبح أول حارس يفوز بجائزة "لاعب العام" في إنجلترا، وفي عام 1964 اعتزل بعد 545 مباراة، حاملاً لقب "أعظم حارس في تاريخ السيتي" رغم بدايته المثيرة للجدل. في عام 2004، تسلم وسامًا من الملكة إليزابيث الثانية تقديرًا لجهوده في المصالحة الألمانية البريطانية.

حتى بعد اعتزاله، ظل تراوتمان سفيرًا للعبة في جميع أنحاء العالم، حيث درب في ميانمار وتنزانيا وليبيريا وباكستان، داعمًا تطوير كرة القدم في المجتمعات الفقيرة.

ذكر تراوتمان في مذكراته: "لم آتِ لأغير التاريخ، بل لألعب الكرة. لكنهم جعلوني جسرًا بين وطنين مزقتهما الحرب. ربما كانت الكرة هي السلام الذي انتظرناه طويلاً".

في صباح 19 يوليو/تموز 2013، توفي تراوتمان عن 89 عامًا في إسبانيا، حيث قضى سنواته الأخيرة. لكن قصته تبقى درسًا في تحويل العداء إلى احترام، والألم إلى انتصار.

قال بيب غوارديولا، مدرب مانشستر سيتي الحالي: "عندما أرى لاعبيّ يتحدثون عن الإرث، أذكرهم بتراوتمان. لم يرفع ألقاب الدوري، لكنه رفع شيئًا أثمن: روح الإنسان فوق الحرب".

قصة حارس المرمى الألماني لم تكن مجرد أسطورة كروية، بل ميثاق سلام مكتوب بقفازات رياضية، وتذكير بأن الكرة، حين تدور، تستطيع أن تدوس حتى على أشواك التاريخ.

Topics

Related news