تاريخ ركلات الترجيح في كأس العالم: لحظات حاسمة وأرقام مثيرة
منذ انطلاق النسخة الأولى لكأس العالم عام 1930، شكل البحث عن فائز في مباريات خروج المغلوب تحديًا تنظيميًا وقانونيًا للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا). على مدار سنوات عديدة، كانت المباريات التي تنتهي بالتعادل بعد الأشواط الإضافية تُحسم إما بإعادة المباراة أو بإجراء قرعة، وهي حلول لم تكن ترضي الجماهير أو المنتخبات.
مع تطور اللعبة، اعتمد مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB) نظام "ركلات الترجيح من علامة الجزاء"، الذي دخل حيز التنفيذ في المونديال بدءًا من نسخة إسبانيا عام 1982، ليصبح جزءًا أصيلاً من تاريخ البطولة ومحددًا لمصير الألقاب.
بحسب مؤسسة إحصاءات وثيقة لرياضة كرة القدم، شهد العالم في 8 يوليو/تموز 1982 أول تطبيق عملي لهذا النظام في نصف نهائي المونديال بين ألمانيا الغربية وفرنسا على ملعب "رامون سانشيز بيزخوان". كانت المباراة ملحمية، حيث عاد منتخب "المانشافت" من تأخر بنتيجة 1-3 في الأشواط الإضافية ليفرض التعادل 3-3، ثم يفوز بركلات الترجيح بنتيجة 5-4.
تلك الليلة في إشبيلية كانت بمثابة إعلان رسمي عن عصر جديد في كرة القدم، حيث لم يعد يكفي المجهود البدني والمهاري لحسم المواجهات، بل أصبحت القدرة على السيطرة على الأعصاب تحت ضغط هائل هي الفاصل.
ومع توالي النسخ، انتقل هذا "الاختبار القاسي" من الأدوار الإقصائية إلى واجهة المشهد الكروي العالمي، حيث شهد عام 1994 في الولايات المتحدة أول نهائي يُحسم بهذه الطريقة بين البرازيل وإيطاليا.
بعد 120 دقيقة خلت من الأهداف، اتجه الطرفان إلى ركلات الترجيح، حيث استمر الضغط حتى الركلة التي نفذها النجم الإيطالي روبرتو باجيو، الذي أطاح بالكرة فوق المرمى، مانحًا البرازيل لقبها الرابع وسجل واحدة من أكثر الصور تعبيرًا عن خيبة الأمل في تاريخ الرياضة، الصورة التي عُنونت بـ"باجيو مات واقفًا".
تكرر المشهد في نهائي عام 2006 في برلين، حين تواجهت إيطاليا وفرنسا في مباراة سيطر عليها التوتر بعد واقعة طرد زين الدين زيدان. انتهى الوقتان الأصلي والإضافي بالتعادل 1-1، لتنتقل الكلمة الفاصلة لركلات الترجيح التي ابتسمت هذه المرة للطليان بنتيجة 5-3، بعد أن أضاع دافيد تريزيغيه ركلته.
ولعل المباراة الأبرز في تاريخ المونديال هي نهائي قطر 2022، حين قدمت الأرجنتين وفرنسا أداءً تاريخيًا انتهى بالتعادل 3-3 بعد وقت إضافي جنوني. في ركلات الترجيح، ظهر الحارس الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز كعنصر حاسم، مستخدمًا تكتيكات الضغط النفسي وتصديه لركلة كينغسلي كومان، ما مهد الطريق أمام ليونيل ميسي ورفاقه لحصد النجمة الثالثة للأرجنتين بنتيجة 4-2.
تاريخيًا، تفاوتت سجلات المنتخبات في هذا الاختبار. إذ تتربع الأرجنتين على قمة الأكثر خوضًا لهذه السلسلة في المونديال في 7 مناسبات، فازت في 6 منها، ما يمنحها لقب بطلة "ركلات الترجيح". في المقابل، تُعتبر ألمانيا النموذج المثالي للكفاءة، إذ خاضت ركلات الترجيح في 4 مباريات بـ 4 نسخ (1982، 1986، 1990، 2006) ولم تخسر أي منها.
أما المنتخب الإنجليزي، فقد عانى لعقود طويلة من "عقدة" ركلات الترجيح قبل أن يكسرها في نسخة روسيا 2018 بالفوز على كولومبيا 4-3، محققًا أول انتصار له في ركلات الترجيح في تاريخ مشاركاته بعد 3 هزائم.
كما لا يمكن إغفال مباريات مثل مواجهة غانا وأوروغواي في ربع نهائي 2010، التي تعتبر مثالاً للدراما المونديالية؛ حين أضاع أسامواه جيان ركلة جزاء في الدقيقة 120 بعد لمسة يد متعمدة من لويس سواريز، لتؤول المباراة بعدها لركلات الترجيح التي ابتسمت للأوروغواي.
في مونديال 1990 الذي أقيم في إيطاليا، كانت صاحبة الأرض تطمح للقب، وواجهت في نصف النهائي منتخب الأرجنتين بقيادة دييغو مارادونا. بعد التعادل 1-1، ذهبت المباراة لركلات الترجيح في ملعب "سان باولو" في نابولي، المدينة التي يعشقها مارادونا. انتهت الركلات بتفوق الأرجنتين 4-3، حيث أهدر لاعبا إيطاليا روبرتو دونادوني وألدو سيرينا ركلتيهما أمام الحارس الأرجنتيني سيرجيو غويكوتشيا، الذي أصبح بطلاً قوميًا بعد تلك الليلة.
في رحلة فرنسا نحو لقبها الأول على أرضها عام 1998، واجهت في ربع النهائي منتخب إيطاليا، وانتهت المباراة بالتعادل السلبي. في ركلات الترجيح، أضاع كل من ديميتريو ألبرتيني ولويجي دي بياجو ركلتين لإيطاليا، بينما نجحت فرنسا في تسجيل ركلاتها لتفوز 4-3.
تعتبر مباراة ربع النهائي بين إسبانيا وكوريا الجنوبية واحدة من أكثر المباريات إثارة للجدل في تاريخ البطولة، حيث ألغى الحكم هدفين لإسبانيا وانتهت المباراة بالتعادل السلبي. في ركلات الترجيح، كانت كوريا الجنوبية أكثر دقة، إذ سجلت جميع ركلاتها الخمس، بينما أضاع خواكين سانشيز الركلة الرابعة لإسبانيا، لتنتهي المباراة 5-3 لصالح الكوريين.
في مونديال البرازيل 2014، قدمت كوستاريكا أداءً إعجازيًا ووصلت لربع النهائي لمواجهة هولندا. انتهى الوقتان الأصلي والإضافي 0-0، وفي خطوة تكتيكية غير مسبوقة، قام المدرب الهولندي لويس فان غال بتبديل الحارس الأساسي ياسبر سيلسن بالحارس الاحتياطي تيم كرول. نجح كرول في التصدي لركلتي ترجيح، ليقود هولندا للفوز 4-3.
في نسخة قطر 2022، واجه المغرب منتخب إسبانيا في ثمن النهائي. بعد 120 دقيقة من الصمود الدفاعي والندية الكبيرة، احتكم الفريقان لركلات الترجيح. هنا، برز الحارس المغربي ياسين بونو، الذي تصدى لثلاث ركلات جزاء، ليقود المغرب للفوز 3-0، ويصبح أول منتخب عربي وأفريقي يصل لنصف نهائي المونديال.