تحقيقات حول إنفاق الفيفا في بطولة كأس العالم
تثير بطولة كأس العالم تساؤلات حول ما إذا كانت لا تزال احتفالًا رياضيًا بالمجد الكروي أم تحولت إلى أداة لإنفاق ضخم تهدف إلى تعزيز النفوذ الإداري. تقارير استقصائية، أبرزها ما نشرته صحيفة "ذا تلغراف"، وضعت الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) تحت مجهر المساءلة، كاشفة عن نمط من البذخ الإداري الذي يعتبره النقاد محاولة لإعادة تشكيل كواليس اللعبة بعيدًا عن جوهرها التنافسي.
تتجلى هذه السياسة، بحسب "ذا تلغراف"، في استئجار الفيفا لمقر فاخر في الطابق السابع عشر من "برج ترامب" في مانهاتن، بتكلفة تقديرية تصل إلى 40 ألف دولار شهريًا. ورغم الوعود التي أطلقها جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا، العام الماضي بأن يكون المكتب مركزًا لإدارة البطولة، كشفت مصادر موثوقة للصحيفة أن 90% من العمليات التنفيذية تُدار فعليًا من ميامي، بينما يظل مكتب نيويورك شبه مهجور ومخصص للاجتماعات الرسمية.
هذا التدفق المالي المباشر الذي يصل إلى خزائن عائلة ترامب، بموجب اتفاق مع إيريك ترامب، نجل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، يثير تساؤلات كبيرة حول طبيعة المصالح المتبادلة، رغم تأكيدات الفيفا بالتزامه بالقيمة السوقية السائدة للإيجار.
ويمثل الإنفاق اللوجستي الضخم الأداة الرئيسية لهندسة الولاءات داخل المنظومة الكروية، حيث يتوقع مسؤولون في اللعبة، وفقًا للصحيفة، أن تتجاوز فاتورة الفنادق وحدها 200 مليون دولار هذا العام من أصل ميزانية إجمالية تبلغ 3.76 مليار دولار موزعة بين أمريكا والمكسيك وكندا.
في ميامي، حجز الفيفا فنادق كاملة من فئة الخمس نجوم مثل "ريتز كارلتون"، الذي تبلغ تكلفة الليلة الواحدة فيه حوالي 1000 دولار، مع تحمل الفيفا جميع النفقات الأخرى لاستضافة وفود 211 دولة عضو، بالإضافة إلى تغطية نفقات إقامة آلاف اللاعبين المعتزلين ضمن رابطة "أساطير الفيفا".
ويعكس هذا السخاء ارتباطه المباشر بالدعم المالي الذي يقدمه الفيفا للاتحادات الوطنية، والذي يبلغ 2.7 مليار دولار؛ وهي الاتحادات التي تملك أصوات الحسم في صناديق الاقتراع، مما يضمن لإنفانتينو إعادة انتخابه العام المقبل دون منافسة حقيقية.
بينما يتنقل رئيس الفيفا لحضور مباراتين يوميًا عبر طائرة خاصة مدعومًا بمواكب أمنية، تواجه الجماهير ارتفاعًا قياسيًا في التكاليف؛ حيث قفز الحد الأدنى لأسعار التذاكر في سوق إعادة البيع إلى 1600 دولار، بينما بيعت باقات الضيافة الفاخرة لشركات الكونسيرج بمبلغ 4 ملايين دولار لستة مقاعد فقط في المباراة النهائية، وفقًا لما ذكرته الصحيفة البريطانية.
من جانبه، يدافع الفيفا عن نفسه ضد تهمة التبذير بالإشارة إلى أن مصاريف الفنادق والمكاتب لا تمثل سوى جزء ضئيل من العوائد، معلنًا التزامه بإعادة ضخ 11.67 مليار دولار من إجمالي إيراداته المتوقعة البالغة 13 مليار دولار في مشروع "تطوير كرة القدم العالمية"، بزيادة تصل إلى 20% مقارنة بالدورة السابقة.
هذا التوجه التجاري الواضح أثار موجة من الانتقادات من الفنيين والمدربين داخل المونديال؛ حيث صرح المدير الفني لمنتخب باراغواي، غوستافو ألفارو، منتقدًا الوضع بقوله: "لقد تضخمت بطولات كأس العالم بشكل مبالغ فيه، سواء في التكاليف أو التفاصيل الأخرى. إن جوهر كرة القدم يضيع الآن؛ لا يمكن تحويل اللعبة إلى مجرد تجارة وأعمال، يجب أن تبقى كرة قدم".
كما انصبّت الانتقادات على الصيغة الجديدة للبطولة بزيادة عدد المنتخبات إلى 48 فريقًا، حيث علق مدرب غانا، كارلوس كيروش، قائلاً: "مع تأهل هذا العدد الكبير، أصبحت القيمة التنافسية لبطولة كأس العالم وخصوصية التواجد فيها محل شك".
وفي كتابه الصادر بعنوان "علاقات الفيفا: تحقيق في نظام إنفانتينو"، يلخص الصحفي الفرنسي سيمون بولي هذه الدائرة الإدارية بالقول إن الدول الصغيرة والفقيرة المعتمدة كليًا على منح الفيفا المالية هي من تحمي هذا النظام وتجعل الجشع الكروي مستدامًا. ويضيف: "المعيار الأول لهذه الهيئة الدولية اليوم هو المال، والرئيس لا يحاول حتى إخفاء هذه الحقيقة".
في المقابل، يبدو ملاك العقارات في "برج ترامب" هم المستفيدون الأكبر والأكثر سعادة بهذا الشغف الإداري؛ فالترحيب الذي أبداه إيريك ترامب العام الماضي عند توقيع العقد يلخص المشهد بوضوح عندما قال: "نيابة عن نفسي، وعن نيويورك، ومنظمة ترامب وكل العاملين هنا.. نحن نحبكم".