تحول استراتيجي للمواهب المزدوجة الجنسية في كرة القدم المغربية
على مدى عقود، كانت الاستعانة باللاعبين مزدوجي الجنسية في المغرب خياراً ثانوياً، مما أدى إلى فقدان العديد من المواهب المميزة. لكن هذا الملف تحول اليوم إلى مشروع رياضي واستراتيجي ضخم.
لم يعد هؤلاء اللاعبون يمثلون مجرد إضافات نادرة، بل أصبحوا العمود الفقري والقوة الضاربة لمنتخب "أسود الأطلس" في مختلف الفئات العمرية، في إطار منافسة شرسة مع كبرى دول كرة القدم العالمية لاستقطاب المواهب الشابة.
في السنوات الماضية، فقدت الكرة المغربية أسماء بارزة نشأت في أوروبا، مثل خالد بولحروز وإبراهيم أفلاي (هولندا)، وناصر الشاذلي ومروان فلايني (بلجيكا)، وعادل رامي (فرنسا)، الذين اختاروا تمثيل بلدانهم الأصلية.
كان الغياب الطويل للمغرب عن نهائيات كأس العالم من عام 1998 حتى 2018، أحد العوامل الرئيسية التي دفعت إلى تغيير الاستراتيجية، وتوجيه البوصلة نحو القارة الأوروبية للاستفادة من المدارس الكروية هناك.
وضع الاتحاد المغربي لكرة القدم استراتيجية هجينة تعتمد على ركيزتين: الأولى هي التكوين المحلي من خلال الأكاديميات الوطنية ومراكز الأندية، والثانية هي شبكة من الكشّافين المحترفين في أوروبا لمتابعة المواهب منذ سن مبكرة. تلعب العائلات والجاليات المغربية دوراً مهماً في إقناع اللاعبين بتمثيل وطنهم الأم.
يؤكد المدرب محمد وهبي، الذي يقود الطاقات الشابة للمنتخب، أن الإقناع يعتمد على المشروع الرياضي: "نحن لا نقدم وعوداً مالية أو امتيازات مادية، بل نتحدث مع العائلات ونقدم مشروعاً رياضياً واضحاً على المدى القصير والمتوسط والطويل. عندما نرى رغبة حقيقية من اللاعب، نبدأ خطواتنا".
يشرح المدير التقني في الاتحاد المغربي، فتحي جمال، هذه الرؤية قائلاً: "منذ عام 2021، انخرطنا في دينامية أداء تعتمد على استراتيجية واضحة ونموذج هجيني يجمع بين خريجي التكوين المحلي والمواهب المكتشفة في أوروبا عبر خلية متخصصة".
لقد كان الانضمام إلى المشروع المغربي أكثر من مجرد خطوة مهنية؛ بل يعتبره اللاعبون المهاجرون "خياراً نابعاً من القلب".
المهاجم الدولي ريان مايي، الذي اختار اللعب للمغرب مع شقيقه سامي، أكد أن جاذبية المشروع والظروف الاحترافية كانت حاسمة في قرارهما، قائلاً: "كان بإمكاننا اللعب للكاميرون أو بلجيكا، لكن المغرب بذل جهوداً كبيرة لوضعنا في أفضل الظروف، بالإضافة إلى الروابط العاطفية مع والدتي. والآن، أصبحت إنجازات المنتخب عامل جذب إضافي للعديد من اللاعبين".
تشترك هذه العاطفة بين كبار نجوم المنتخب؛ حيث يعلق أشرف حكيمي، نجم باريس سان جيرمان، على تجربته مع الفئات السنية لإسبانيا: "كان خياراً من القلب. حاولت خوض التجربة مع إسبانيا لكنني لم أشعر بالراحة. قرار تمثيل بلد ما يجب أن يأتي من شعور بالراحة الشخصية والعائلية".
وقد أكد حكيم زياش سابقاً: "اختيار المنتخب لا يتم بالعقل بل بالقلب.. لطالما شعرت أنني مغربي رغم ولادتي في هولندا، وكثيرون لن يفهموا هذا الشعور أبداً".
لم تعد العاطفة وحدها سلاح المغرب؛ بل إن التطور الكروي والبنية التحتية والاستثمارات الضخمة أدت إلى إنجازات لا يمكن تجاهلها. اللاعبون الشباب اليوم مدفوعون بسجل المغرب الذهبي: رابع مونديال قطر 2022، برونزية أولمبياد باريس 2024، وألقاب وبطولات قارية وعالمية متتالية، مما جعل نجوم مثل إبراهيم دياز ونيل العيناوي يفضلون تمثيل الأسود.
بعد انضمامه، قال بوعدي: "أشعر بالراحة والفخر والسعادة بالعودة إلى بلدي المغرب، وآمل أن نحقق إنجازات عظيمة".
أثارت هذه "الهجرة العكسية للمواهب" انتقادات من بلدان المنشأ التي استثمرت في تكوين هؤلاء اللاعبين. في هولندا، انتقد النجم السابق رافايل فان در فارت هذه الظاهرة، مدعياً أن "الذين ليسوا جيدين بما يكفي لهولندا يذهبون للعب مع المغرب".
وفي بلجيكا، علق المدير الفني للفئات العمرية فنسان مانايرت بلهجة لوم عقلانية: "لقد ولدوا وتلقوا تعليمهم الرياضي هنا حيث استثمرت الأندية الكثير من الوقت والطاقة.. إذا اختاروا عدم تمثيل بلجيكا فهذا حقهم، لكننا سنواصل العمل مع من يرغب في البقاء معنا".
بينما تبرز حالات معاكسة حيث يختار اللاعبون تمثيل بلد الإقامة، يُعتبر لامين جمال نجم برشلونة الصاعد الاستثناء الأبرز، إذ اختار تمثيل إسبانيا رغم محاولات الجامعة الملكية المغربية ومدرب المنتخب السابق وليد الركراكي.
وعن تلك المفاوضات، يقول الركراكي: "تحدثنا معه ومع عائلته ومحاميه عن مشروعنا، وعن كأس أمم إفريقيا على أرضنا ومونديال 2030، وعن الحب الذي يكنه المغرب له. لكن الفتى كان صادقًا ولم يلعب على الحبلين، بل حسم قراره بوضوح للعب مع إسبانيا".
بين صدمة بلدان المولد الأوروبية وإصرار الاتحاد المغربي، تُظهر تجربة "أسود الأطلس" أن إدارة ملف مزدوجي الجنسية بعاطفة ورؤية احترافية قادرة على تغيير خريطة القوى الكروية، وتحويل الهجرة الاغترابية إلى طاقة دفع للكرة الوطنية على الساحة العالمية.