تكنولوجيا كأس العالم 2026: بين الأمان والمراقبة
في مساء 6 يناير/كانون الثاني الماضي، خلال معرض الإلكترونيات الاستهلاكية في لاس فيغاس، ظهر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) جياني إنفانتينو بجوار رئيس شركة لينوفو يانغ يوانكينغ، في حدث كان ينتظره الجمهور التقني بفارغ الصبر. تم تقديم عرض حول التقنيات الجديدة التي ستستخدم في بطولة كأس العالم 2026، والتي شملت نظام ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم "فوتبول إيه آي برو"، بالإضافة إلى مجسمات رقمية ثلاثية الأبعاد للاعبين تعيد بناء اللقطات الحاسمة. وقد وصفت المنظمات هذه التقنيات بأنها ستغير كيفية تقديم أكبر حدث رياضي في تاريخ البشرية.
في الوقت ذاته، وعلى بُعد آلاف الكيلومترات، كانت عدة مدن أمريكية مضيفة تعمل على توسيع شبكتها من الكاميرات وأجهزة قراءة لوحات السيارات حول الملاعب. وفي العاصمة واشنطن، كان مسؤول في وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) يستعد لمثول أمام لجنة في الكونغرس، حيث كان يرفض التعهد بوقف عمليات وكالته قرب الملاعب أثناء البطولة.
"كان العرضان يجريان في الوقت نفسه، لكن بلغتين مختلفتين، وبنية تحتية واحدة"
تظهر القصة هنا، حيث يتم تسويق ما يُعرف بتقنية "سلامة الجماهير" تحت بنية مراقبة واحدة تُباع لجمهورين مختلفين باسمين مختلفين. تُقدم هذه التقنيات للمدن المضيفة كوسيلة لتنظيم دخول الجماهير وتأمين الملاعب، بينما تستخدمها الأجهزة الفيدرالية الأمريكية كأداة للتعرف على الأشخاص وتتبعهم. الكاميرا نفسها، والشركة الموردة ذاتها، وأحيانًا قاعدة البيانات نفسها، بينما يختلف الاسم الذي يُطلق عليها.
نحن هنا نحاول قراءة ما لا يُعرض على المسرح، حيث لا نسأل عن التقنية التي تُزين البطولة، بل نتساءل عن من يصنع كاميرات "سلامة الجماهير"، ومن يستخدمها، وأين تذهب الصور التي تلتقطها بعد انتهاء المباراة. بعد إزالة اللغة التسويقية، تبدو الصورة على الأرض أبسط مما يوحي به مصطلح "الملعب الذكي"، وأثقل في الوقت نفسه. ما تم تركيبه في المدن المضيفة ليس وسيلة ترفيه أو تنظيم، بل طبقات متراكمة من أدوات تتعرف على الأشخاص وتتابع تحركاتهم.
دعونا نوضح ما نتحدث عنه؛ عند الإشارة إلى "كاميرا تعرف على الوجه"، نعني نظامًا يحول ملامح الوجه إلى بصمة رقمية فريدة، ثم يقارنها بقاعدة بيانات تضم ملايين الوجوه لتحديد هوية الشخص في ثوانٍ. هذه التقنية، إلى جانب أجهزة قراءة لوحات السيارات وقواعد البيانات البيومترية، لا تكتفي بالرؤية بل تتعرف وتطابق وتتابع. الفارق بين الرؤية والتعرف هو الفارق بين كاميرا تحرس بوابة ومنظومة تعرف من أنت أينما كنت.
"الفارق بين الرؤية والتعرف هو الفارق نفسه بين كاميرا تحرس بوابة، ومنظومة تعرف من أنت أينما حللت"
على سبيل المثال، في ملعب "جيليت" في ولاية ماساتشوستس، يدخل المشجع ويدفع ثمن طعامه عبر نظام يتعرف على وجهه، بينما في سياتل، يتم توسيع شبكة الكاميرات وأجهزة قراءة لوحات السيارات حول الملعب. وفي مدن أخرى، تتكرر القصة بتفاصيل مختلفة ولكن بنفس البنية التحتية، من كاميرات وقواعد بيانات بيومترية وغرف تحكم تجمع هذه المعطيات في مكان واحد.
لم تولد هذه البنية مع البطولة، ولن تنتهي بانتهائها. فمنذ موسم 2024، بدأت جميع ملاعب دوري كرة القدم الأمريكية (NFL) باستخدام تقنية التعرف على الوجوه. لذا، لم يُخترع كأس العالم هذه البنية التحتية، بل يمنحها مناسبة للتوسع وذريعة تجعل قبولها أسهل.
تخبرنا التجارب القريبة أن تلك الذريعة تدوم أطول من المناسبة نفسها؛ على سبيل المثال، قبل أولمبياد باريس 2024، أقر البرلمان الفرنسي قانونًا يسمح باستخدام المراقبة بالفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الأماكن العامة، وكان أول قانون من نوعه في الاتحاد الأوروبي. تم تسويق القانون كإجراء مؤقت لمناسبة مؤقتة، تنتهي صلاحيته في مارس/آذار 2025.
"يصف تأثير المزلاج تحول التدابير المؤقتة إلى حقائق دائمة بسبب صعوبة عكسها"
لكن قبل أن تنتهي صلاحيته بأسابيع، قدمت الحكومة الفرنسية مشروع قانون جديد لتنظيم أولمبياد الشتاء 2030، والذي يتضمن تمديد استخدام المراقبة بالخوارزميات حتى عام 2027. الحدث المقبل أصبح مبررًا لاستمرار قانون الحدث السابق، وهو ما يُعرف في علم الاجتماع بـ"تأثير المزلاج" أو "عولمة الاستثناء"، حيث تتحول التدابير المؤقتة إلى حقائق دائمة.
هذا هو النمط الذي تُتيح البطولات الكبرى تكراره؛ منظومة تُقبل لأنها "مؤقتة" و"استثنائية"، ثم تجد أنها بقيت واستمرت بعد انتهاء المناسبة. وما ينطبق على الأولمبياد ينطبق أيضًا على كأس العالم، فكلاهما حدث عالمي يجلب حشودًا وكاميرات ومخاوف أمنية، ويمنح الحكومات الغطاء ذاته لتثبيت ما كان يصعب تثبيته في الأوقات العادية.
ما يجعل نسخة كأس العالم 2026 جديرة بالتحليل الخاص، هو أن السؤال لم يعد ما الذي ستؤول إليه هذه الكاميرات بعد سنوات، بل من يقف خلفها الآن، في اللحظة التي تُركب فيها.
دعونا نتتبع الأمر من جهة الشركات، وليس من جهة الشعارات. عند النظر إلى قائمة الشركات التي تورد التقنية للبطولة، نجد تداخلًا واضحًا مع قائمة الشركات التي تورد التقنية لأجهزة الإنفاذ الفيدرالية الأمريكية. في بعض الأحيان تكون الشركة نفسها على القائمتين، وأحيانًا تكون التقنية نفسها مع اختلاف الاسم التجاري.
نبدأ بالشريك التقني الرسمي للبطولة، شركة لينوفو الصينية، التي تورد الحواسيب والخوادم لعشرات الوكالات الفيدرالية الأمريكية. وقد صدرت تحذيرات أمنية متتالية بشأن منتجاتها من عدة وكالات أمريكية، ومع ذلك استمر التعاقد معها. اللافت هنا ليس التحذيرات، بل أن معيار "الخطر الأمني" يُطبق عندما يناسب سياسيًا، ويُغض الطرف عنه عندما يناسب تجاريًا. الشركة التي يجري التحذير منها رسميًا، تقف على منصة الإعلان عن بطولة كأس العالم كشريك تقني رسمي.
"شركة لينوفو الصينية، الشريك التقني الرسمي للبطولة، تورد الحواسيب والخوادم لعشرات الوكالات الفيدرالية الأمريكية"
المثال الآخر هو شركة "بالو ألتو نتوركس"، المنخرطة في خدمات الأمن السيبراني المرتبطة بالبطولة، والتي وقعت اتفاقية مع إدارة الخدمات العامة الأمريكية تمنح جميع الوكالات الفيدرالية خصمًا يصل إلى 60% على منتجاتها الأمنية. في الوقت نفسه، أكملت الشركة صفقة استحواذ بقيمة 25 مليار دولار على شركة "سايبر آرك" المتخصصة في إدارة الهويات الرقمية، مما يعني أن الشركة التي تؤمن شبكات البطولة تؤمن أيضًا شبكات الجهاز الذي يلاحق المهاجرين.