أدهم مخادمة: رحلة الحكم الأردني إلى كأس العالم 2026

أدهم مخادمة: رحلة الحكم الأردني إلى كأس العالم 2026

لم يكن وصول الحكم الدولي الأردني والمهندس المدني أدهم مخادمة إلى بطولة كأس العالم عام 2026 محض صدفة، بل جاء نتيجة رحلة استمرت أكثر من عقدين من الزمن.

بدأت قصته في أحياء مدينة الرمثا، حيث كان طفلاً يحرص على الصلاة في المسجد، ويؤذن للمصلين، ويحفظ أجزاء من القرآن الكريم، قبل أن يجمع بين مهنته كمهندس مدني ومسيرته التحكيمية التي أوصلته إلى أكبر محفل كروي في العالم.

وراء الصورة التي يراها الملايين لحكم يقود مباريات كأس العالم بثقة، تكمن قصة إنسانية غنية بالتفاصيل التي شكلت شخصيته، وأسرة آمنت به منذ البداية.

تروي شقيقته، الدكتورة ناهدة مخادمة، لـ"الجزيرة نت" أن أدهم لم يبدأ رحلته مع كرة القدم من الملاعب، بل من المسجد، حيث كان ملتزماً بالصلاة منذ الصف الرابع الأساسي، ويؤذن للمصلين، ويؤمهم رغم صغر سنه، كما حفظ أجزاء كبيرة من القرآن الكريم.

وتؤكد أن تلك التربية الإيمانية انعكست على شخصيته، فأصبح هادئاً ومتزناً وقادراً على ضبط انفعالاته، وهي الصفات التي يحتاجها الحكم في أصعب المباريات. وتضيف أن أهالي الرمثا عرفوه منذ صغره بدماثة أخلاقه وقربه من الناس، فلم يكن يحب أن يغضب أحداً، وكان حاضراً في أفراحهم وأتراحهم، وهي الصفات التي ما تزال تميزه حتى اليوم رغم وصوله إلى العالمية.

تؤكد شقيقته أن البداية الحقيقية لمسيرة أدهم التحكيمية ارتبطت بها شخصياً، عندما كانت أول حكمة كرة قدم أردنية.

وقالت: "إن الشعب الأردني كله يعرف أن بداية أدهم كانت معي حين كان يرافقني في دورة التحكيم التي حصلت عليها عام 2002".

توضح أنها كانت تدرس التربية الرياضية في جامعة اليرموك، وكانت تضطر للسفر إلى عمّان لحضور دورة التحكيم، فيرافقها أدهم أو شقيقهما راسم بسبب ظروف المواصلات. وتضيف: "مكثت نحو خمسة أشهر وأنا أحضر الدورة، وبعدما تم اعتمادي في نوفمبر 2002، بدأت أشارك في بطولات مثل نادي عمان والأرثوذكسي وشباب الأردن، وكان أدهم يرافقني باستمرار".

تقول ناهدة إن تلك الرحلات المتكررة جعلته يعيش تفاصيل التحكيم عن قرب، ويتابع المحاضرات والتدريبات، مما أدى إلى تولد شغف حقيقي لديه بهذه المهنة.

خلال تلك الفترة، لفت أدهم أنظار مدرب الحكام الأردنيين عمر بشتاوي، الذي رأى فيه مقومات الحكم الناجح.

وتقول ناهدة: "كان أدهم طويل القامة، وهذا الشيء كان من الصفات المطلوبة بالحكم، وكان وقتها في الصف التاسع أو العاشر، وكان شاباً مرتباً، ومن هنا بدأ شغفه وحبه للتحكيم".

تضيف أنه التحق بدورة التحكيم عام 2004، قبل أن يُعتمد حكماً رسمياً. وتقول: "التحق بدورة التحكيم عام 2004، ومنها تم اعتماده حكماً، وأتذكر أننا كنا نذهب إلى تدريبات الحكام في إربد، ومن بعدها أنا خرجت لأكمل الدكتوراه، وهو استمر في طريقه".

واصل أدهم مخادمة رحلته بهدوء، متنقلاً بين الملاعب المحلية والقارية، حتى نال الشارة الدولية عام 2013، لتبدأ مرحلة جديدة من مسيرته.

تقول ناهدة: "الحمد لله حصل على الشارة الدولية عام 2013، واليوم وصل إلى أحد أهم الأهداف والطموحات التي كان يحلم بها منذ بداية مشواره، وهي الوصول إلى كأس العالم".

تؤكد أن ما وصل إليه شقيقها لم يكن نتيجة محطة واحدة، بل حصيلة سنوات طويلة من العمل اليومي، والتطوير المستمر، والالتزام، حتى أصبح من بين الحكام الذين منحهم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ثقته لإدارة مباريات كأس العالم.

ورغم الإنجازات التي حققها أدهم مخادمة في مسيرته، فإن أكثر الذكريات حضورا في وجدان العائلة، بحسب شقيقته، تعود إلى الأيام الأخيرة من حياة والده.

تروي لـ"الجزيرة نت" أن أدهم كان يدير مباراة في الهند، بينما كان والده يتلقى العلاج في المستشفى، فحرصت العائلة على إحضار جهاز الحاسوب إلى غرفته حتى يتمكن من متابعة اللقاء.

تقول: "كان والدي سعيداً بطريقة لا توصف وهو يشاهد أدهم، وكان أكثر الناس إيماناً بقدراته وتشجيعاً له، وبعد يومين فقط عاد أدهم من الهند، لكن والدي دخل العناية الحثيثة، وكانت تلك آخر مباراة شاهدها لابنه".

ولا تتحدث ناهدة عن نجاح شقيقها من دون التوقف عند والدتهما، التي تصفها بأنها صاحبة الأثر الأكبر في تكوين شخصية الأبناء.

تقول إن والدتها تنحدر من البوسنة والهرسك، وإن والدها، الذي كان شيخ أحد مساجد سراييفو، استُشهد خلال حرب البوسنة عام 1992 إثر سقوط قذيفة على المسجد.

تضيف أن والدتها جاءت إلى الأردن وهي تحمل معها قيم الصبر والإيمان والاجتهاد، وربت أبناءها الثمانية على أن النجاح لا يتحقق إلا بالعلم والعمل والدعاء، حتى أصبحوا بين أطباء ومهندسين وصيادلة ومحاسبين ومعلمين، مؤكدة أن كل واحد منهم يحمل قصة نجاح صنعتها تضحيات والدته.

تشير إلى أن أدهم ظل متمسكاً بعادة لم يغيرها رغم وصوله إلى العالمية، إذ كان يحرص قبل كل مباراة أو معسكر أو رحلة تحكيمية على المرور بوالدته، وتقبيل يدها، وطلب دعائها.

بعيداً عن الملاعب، تؤكد ناهدة أن شقيقها يجد راحته في الطبيعة، فهو يعشق البر والصيد، ويحرص على الاهتمام بأرضه منذ ساعات الفجر الأولى.

تضيف أن نجاحه لم يكن فردياً، فهو اليوم أب لثلاثة أبناء وابنة، وكانت زوجته شريكة أساسية في رحلته، إذ تحملت مسؤولية البيت والأبناء خلال سنوات السفر والمعسكرات، ومنحته الاستقرار الذي احتاجه لمواصلة مشواره.

ترى ناهدة أن الجمهور يشاهد الحكم داخل الملعب لمدة تسعين دقيقة فقط، لكنه لا يرى سنوات طويلة من الدراسة، والعمل، والتدريب، والسفر، والصبر، والدعاء، التي صنعت هذا النجاح.

تؤكد أن قصة شقيقها تتجاوز كونها قصة حكم أردني وصل إلى كأس العالم، لتصبح نموذجاً للإصرار والاجتهاد، وللدور الذي يمكن أن تلعبه الأسرة في صناعة النجاح.

يُلقب الحكم الأردني أدهم مخادمة بين الأوساط الرياضية بـ"كولينا العرب"، نظراً للتشابه الكبير في الملامح والهيئة مع الحكم الإيطالي الشهير بييرلويجي كولينا، الذي يُعتبر على نطاق واسع أحد أعظم حكام كرة القدم في التاريخ، بعدما تُوّج بجائزة الاتحاد الدولي لكرة القدم لأفضل حكم في العالم ست مرات متتالية.

أصبح هذا اللقب ملازماً لمخادمة خلال مسيرته، قبل أن يرسخ مكانته بين نخبة حكام العالم بوصوله إلى إدارة مباريات كأس العالم عام 2026.

Topics

Related news