أكاديمية بارادو: نموذج ثوري في تطوير المواهب الكروية في الجزائر

أكاديمية بارادو: نموذج ثوري في تطوير المواهب الكروية في الجزائر

في عالم كرة القدم الذي يتغذى على الألقاب والمال والانتقالات السريعة، تبرز قصة أكاديمية بارادو كنموذج فريد، حيث يتدرب الأطفال بدون أحذية ويلعبون بدون حارس مرمى في ضواحي العاصمة الجزائرية.

هذه ليست مجرد لعبة، بل هي نهج ثوري في تكوين اللاعبين جعل أكاديمية بارادو واحدة من أبرز مشاريع تطوير المواهب في القارة الإفريقية.

تأسس نادي أتليتيك بارادو في عام 1994، وبدأ كمنافس في الدرجات المتوسطة قبل أن يحقق الصعود إلى القسم الثاني. ورغم ذلك، حالت محدودية الموارد المالية دون منافسته للأندية الكبرى، مما دفعه للبحث عن مسار مختلف لضمان الاستمرارية.

حتى عام 2007، كانت فكرة أكاديميات كرة القدم في الجزائر شبه غائبة، حيث اكتفت معظم الأندية بتدريب فرق الفئات الشابة مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً، وبإمكانات متواضعة واهتمام محدود، مع الاعتماد بشكل شبه كامل على استقطاب اللاعبين الجاهزين بدلاً من تطويرهم.

في هذا السياق، ظهرت فكرة تأسيس الأكاديمية بعد أن وجد مؤسس النادي، خير الدين زطشي، نفسه أمام خيارين: إما إنفاق موارد مالية محدودة لشراء لاعبين جاهزين للفريق الأول، أو الاستثمار على المدى الطويل في تطوير المواهب من الجذور. فاختار الطريق الأصعب، مراهناً على صناعة اللاعب بدلاً من استهلاكه.

تم تأسيس الأكاديمية في تسالة المرجة، جنوب العاصمة الجزائرية، حيث تم استقطاب لاعبين تتراوح أعمارهم بين 11 و13 عاماً. وتمت عملية الانتقاء من خلال اختبارات غير تقليدية، من بينها تمرين "الكرة في الهواء"، الذي يقيس المهارة التقنية والتوازن.

اللاعبون الذين يجتازون هذه الاختبارات ينتقلون للإقامة داخل الأكاديمية، حيث يتابعون تعليمهم المدرسي بالتوازي مع تكوينهم الكروي، ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى تطوير لاعب مختلف من حيث المهارة والعقلية منذ المراحل الأولى.

أحد أكثر جوانب أكاديمية بارادو إثارة للجدل هو أسلوب التدريب الذي تبنته بعد الشراكة مع اللاعب الدولي الفرنسي السابق جان مارك غيو، الذي أسس أول أكاديمية له في أبيدجان بكوت ديفوار عام 1993. وقد خرجت هذه الأكاديمية لاعبين كبار مثل يايا توريه.

يتدرب اللاعبون بدون أحذية في العديد من الجلسات.

يلعبون بدون حارس مرمى في مراحل مبكرة.

غالباً ما يتنافسون ضد لاعبين أكبر سناً وأكثر قوة.

كان الهدف من هذه الأساليب هو إجبار اللاعبين على تطوير مهارات التحكم في الكرة، الرؤية التكتيكية، والتعاون الجماعي داخل الملعب، بدلاً من التركيز على القوة البدنية فقط.

في بداية عام 2025، نشر موقع بوروسيا دورتموند الألماني حواراً مع اللاعب رامي بن سبعيني، أحد خريجي أكاديمية بارادو، حيث استذكر ذكرياته في الأكاديمية، مشيراً إلى فوائد اللعب حافي القدمين لتطوير التحكم في الكرة.

تحدث بن سبعيني أيضاً عن تجربة اللعب بدون حارس مرمى، موضحاً أنها كانت تهدف إلى تعزيز الدفاع والضغط على المنافسين.

أسلوب اللعب الذي نشأوا عليه كان قريباً من فلسفة "التيكي تاكا" الشهيرة، مما ساهم في قرار اللاعب السابق في برشلونة جوسيب ماريا نوغيس بتولي تدريب الفريق الأول في عام 2016.

خلال موسمه الأول في الدرجة الثانية، حقق المدرب الكتالوني الصعود إلى الدوري المحترف الجزائري، وأنهى موسمه الثاني في المركز السابع بفريق يعتمد على مواهب شابة تم تطويرها داخل الأكاديمية.

قصة بارادو لا تكتمل دون ذكر أسماء بارزة أصبحت نجوماً في أوروبا، حيث حقق عدد من خريجي الأكاديمية انتقالات احترافية في الدوريات الأوروبية الكبرى، مما لم يكن متوقعاً من نادٍ صغير الميزانية.

بدأت مسيرة الاحتراف من أكاديمية بارادو، لينتقل اللاعب رامي بن سبعيني إلى أندية بلجيكية وفرنسية، قبل أن يتألق في ألمانيا مع بوروسيا مونشنغلادباخ، ثم انضم إلى بوروسيا دورتموند في عام 2023.

كما انتقل متوسط ميدان الأكاديمية هشام بوداوي إلى نادي نيس الفرنسي في صفقة قياسية، محققاً لقباً إفريقيا مع المنتخب الجزائري في عام 2019.

أصبح من الواضح أن أكاديمية بارادو تؤثر ليس فقط في الأندية، بل في المنتخب الجزائري أيضاً، حيث لعب عدد من خريجي الأكاديمية دوراً مهماً في البطولات القارية الكبرى.

خلال بطولة كأس أمم أفريقيا الأخيرة في المغرب 2025، شكل خريجو الأكاديمية 20% من قوام المنتخب الجزائري.

نجاح بارادو الفني تطور ليحقق بعداً اقتصادياً قوياً، حيث ذكرت تقارير أن الأكاديمية جنت ما يقرب من 200 مليار سنتيم جزائري من تحويل لاعبيها إلى أوروبا، مما يجعلها نموذجاً احترافياً للاستثمار الرياضي المستدام.

تواصل أكاديمية بارادو جذب المواهب الشابة، مع تحسين البنية التحتية وتوسيع الشراكات مع الأندية الأوروبية، مع الحفاظ على الاستدامة المالية وجودة التكوين.

وهكذا، أثبت المشروع أن الالتزام والوقت والانضباط يمكن أن يطورا لاعبين مميزين.

Topics

Related news