محمد وهبي: ثورة تكتيكية في المنتخب المغربي قبل مواجهة كندا

محمد وهبي: ثورة تكتيكية في المنتخب المغربي قبل مواجهة كندا

بين مراكز التكوين البلجيكية وصخب الملاعب الأمريكية في مونديال 2026، اختزل المدرب المغربي محمد وهبي مسيرة سنوات من العمل الصامت بعيداً عن الأضواء. اليوم، وهو يقود المنتخب المغربي في مواجهة ثمن النهائي المرتقبة السبت أمام نظيره الكندي في مدينة هيوستن، يثبت وهبي أنه لم يقتنص فرصة العمر فحسب، بل أعاد صياغة الهوية الكروية لـ"أسود الأطلس"، محذراً خصومه بإعلانه بثقة كاملة: "المغرب دخل مرحلة جديدة، ويجب أن نؤمن بقدرتنا على التتويج بلقب كأس العالم".

بدأت الحكاية التكتيكية للمدرب، المولود عام 1976 في بلدة سخاربيك بضاحية العاصمة البلجيكية بروكسل، مبكراً جداً؛ إذ دخل عالم التدريب في سن الحادية والعشرين مع الفئات السنية لنادي مكابي بروكسل. وهبي، الذي لم يحترف كرة القدم كلاعب، تأثر بشغف اللعبة بالإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في مونديال المكسيك 1986، عندما أصبح أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ الدور الثاني.

هذا الشغف قاده سريعاً إلى نادي أندرلخت البلجيكي العريق، حيث قضى أكثر من عقدين من الزمن في صقل المواهب، وأسهم بشكل مباشر في تقديم أسماء لامعة للكرة العالمية مثل: يوري تيليمانس، ودودي لوكيباكيو، وجيريمي دوكو، وشارل موسوندا، وعدنان يانوزاي.

نجاحات وهبي في الملاعب البلجيكية لم تذهب دون رصد؛ إذ لفتت أنظار رئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم، فوزي لقجع، الذي استقطبه عام 2022 لتولي تدريب منتخب المغرب تحت 20 عاماً. هناك، أظهر كفاءته في كأس العالم للشباب التي استضافتها تشيلي العام الماضي، حيث قاد الأشبال للفوز باللقب العالمي بعد أن أطاح بمنتخبات عريقة مثل إسبانيا، والبرازيل، وفرنسا، والأرجنتين.

هذه الطفرة مع الشباب فتحت أمامه أبواب المنتخب الأول في مارس الماضي، خلفاً للمدرب وليد الركراكي، الذي رغم إنجازه التاريخي بقيادة المغرب كأول منتخب إفريقي يبلغ المربع الذهبي في مونديال قطر 2022، واجه انتقادات بسبب أسلوبه الدفاعي المتحفظ.

وفي تحليل لهذه النقلة، قال المهاجم الدولي المغربي السابق، عبد العزيز بنيج، لوكالة فرانس برس: "كانت هناك تساؤلات جدية حول قدرة وهبي على قيادة المنتخب المليء بالنجوم، لكن المؤشرات في المباريات الودية كانت تبشر بالخير". وأضاف: "لقد تسلم المهمة في توقيت كان الخوف يتملك الجميع، وكان الرهان ضخماً لكنه نجح بامتياز. تغيرت أدوات الفريق بالكامل؛ فلم نعد نعتمد على أجنحة هجومية تقليدية مثل حكيم زياش وسفيان بوفال، بل تحول شكل المنتخب للاعتماد على المهاجم الوهمي".

وعلى الرغم من قصر فترة التحضير، نجح وهبي في فرض بصمته ومبادئه الكروية القائمة على الاستحواذ والضغط العالي وبناء اللعب من الخلف. وهو ما أكده بعد تعادله الودي المثمر أمام البرازيل (1-1): "عندما تسلمت تدريب المنتخب، كان هدفي واضحاً وهو فرض أسلوبي الخاص ومبادئي الكروية".

لم يتأخر وهبي في إثبات نظريته؛ إذ فاجأ الجميع بإنذار مبكر أمام السيليساو، قبل أن يفجر مفاجأة مدوية في دور الـ32 بإقصائه المنتخب الهولندي ونجومه، مجبراً المدرب المخضرم رونالد كومان على التراجع واعتماد خطة دفاعية غريبة على تقاليد الكرة الهولندية.

عن هذا التحول التكتيكي، تحدث نجم منتخب 1986، عزيز بودربالة، قائلاً: "فرض وهبي إيقاعه أمام عملاقين من عمالقة اللعبة، وعرف كيف يدير فترات المباراة بذكاء. لقد قدم حلولاً هجومية متنوعة دون أن تنهار الصلابة الدفاعية، ما يعني أن ما قدمه كان إضافة نوعية حقيقية".

ورغم رحيل بعض الركائز، حافظ وهبي على أسماء ثقيلة مثل أشرف حكيمي وعز الدين أوناحي، بجانب إسماعيل صيباري، المتألق برصيد ثلاثة أهداف في المونديال الحالي، والذي انتقل حديثاً إلى بايرن ميونيخ الألماني. ويشرح بنيج هذا التغيير البنيوي: "لقد قطعنا مع أسلوب الركراكي المعتمد على التكتل الدفاعي، ولم نعتد لسنوات على إخراج الكرة بسلاسة من الخلف، لكن وهبي فرض الاستحواذ واللعب بنحو ستة لاعبين في وسط الميدان".

هذا النهج حرر القائد أشرف حكيمي، الذي بات يتقدم كجناح أو رأس حربة في بعض الفترات، مما منح المنظومة توازناً فريداً في صناعة اللعب. ويعلق بودربالة على هذه النقطة بالقول: "هناك سرعة فائقة في التحول من الدفاع إلى الهجوم واستغلال المساحات، يرافقها مرونة تكتيكية عالية". وأردف: "إذا نجح إبراهيم دياس في رفع مستواه قليلاً، فإن هذا المنتخب قادم لا محالة للوصول إلى النهائي أو حتى خطف اللقب".

وفي سياق متصل، أقر بنيج بوجود معضلة نجاعة أمام المرمى، معتبراً إياها "ضريبة طبيعية للعب بدون مهاجم صريح ينهي الهجمات"، لكنه استدرك بالإشارة إلى المكاسب: "أصبحنا الفريق الأكثر استحواذاً، وإجبار الخصوم على الجري خلف الكرة أرهق الهولنديين تماماً".

بعد الفوز العريض على هايتي بنتيجة (4-2)، يبدو أن سقف طموحات محمد وهبي بات يعانق السماء؛ فالمدرب الذي وثق بمشروعه منذ اللحظة الأولى، يرى أن موقعة كندا في هيوستن ما هي إلا خطوة أخرى في رحلته نحو الذهب المونديالي.

Topics

Related news