تاريخ التدخلات السياسية في كأس العالم لكرة القدم
الاتصال الهاتفي المثير للجدل الذي أجراه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو، حيث طالب بإعادة النظر في البطاقة الحمراء التي نالها المهاجم فولارين بالوغون، ليس حالة معزولة أو سابقة فريدة. تاريخ بطولات كأس العالم لكرة القدم مليء بالأحداث التي تدخلت فيها السياسة، مما حول المونديال في بعض الأحيان من احتفال رياضي عالمي إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تلميع الأنظمة.
استضافت إيطاليا الفاشية النسخة الثانية من كأس العالم، واستغل "الدوتشي" بينيتو موسوليني، الذي لم يكن يعشق كرة القدم مثل شعبه، هذا الحدث لتسليط الضوء على نظامه السياسي. كان موسوليني حريصًا على حضور جميع المباريات، وكان يتوجه شخصيًا إلى غرف ملابس اللاعبين. في تلك النسخة، بدا التحكيم منحازًا بشكل واضح للبلد المضيف، الذي توج باللقب في النهاية، مما دفع الفيفا لاحقًا إلى اتخاذ قرار غير مسبوق بإيقاف حكمين مدى الحياة.
قبل عام واحد من بداية الحرب العالمية الثانية، عادت السياسة لتلقي بظلالها على البطولة. فقد أعلنت النمسا، التي ضُمّت مؤخرًا إلى ألمانيا النازية، انسحابها، وأُجبر عدد من لاعبيها على اللعب بقميص المنتخب الألماني، مع إلزامهم بأداء التحية النازية في ملعب "بارك دي برانس". ورغم ذلك، ودعت ألمانيا البطولة من دور الـ16.
أما إيطاليا، فقد احتفظت بلقبها في بطولة ارتدى خلالها لاعبوها قمصانًا سوداء تذكر بزي المليشيات الفاشية. وقبل انطلاق المباراة النهائية ضد المجر، التي انتهت بفوز إيطاليا 4-2، أرسل موسوليني للاعبيه برقية قصيرة لكنها تحمل تهديدًا مروعًا: "انتصِروا أو موتوا". وفي تعليقه على هذه البرقية، قال حارس المجر آنذاك أنتال سابو: "صحيح أني تلقيت أربعة أهداف، لكن على الأقل أنقذت حياة 11 رجلاً".
نُظمت البطولة في ظل ديكتاتورية الجنرال خورخي رافايل فيديلا، وكان الهدف الأساسي منها هو تحسين صورة النظام القمعي أمام العالم. شهدت تلك النسخة تتويج الأرجنتين بلقبها الأول، لكن فرحة التتويج كانت مشوبة بشبهات فساد سياسي. فقد كان على الأرجنتين الفوز على بيرو بفارق أربعة أهداف على الأقل لتخطي البرازيل، والمفارقة أن المنتخب البيروفي، الذي أظهر صلابة دفاعية ملحوظة في بداية البطولة، انهار بشكل غريب وخسر بسداسية نظيفة. على مر السنين، تواترت شهادات تتحدث عن صفقة سياسية بين النظامين الديكتاتوريين لتسهيل تلك النتيجة، رغم غياب الأدلة القاطعة.
عادت التدخلات السياسية لتتصدر المشهد في النسخة الحالية، بعدما أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن استيائه من البطاقة الحمراء المباشرة التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون خلال فوز بلاده على البوسنة والهرسك في دور الـ32، وهي بطاقة كانت تعني إيقافه التلقائي عن مواجهة بلجيكا الحاسمة.
لم يكتف ترمب بالانتقاد، بل اتصل شخصيًا برئيس الفيفا جياني إنفانتينو مطالبًا بإعادة النظر في القرار. وما هي إلا أربعة أيام حتى أعلن الاتحاد الدولي عن تعديل العقوبة من قبل لجنة الانضباط، وتحويل الإيقاف إلى "وقف تنفيذ مع فترة اختبار تمتد لعام واحد". نتيجة لهذا التدخل الرئاسي، أصبح هداف المنتخب الأمريكي جاهزًا لقيادة هجوم بلاده في المباراة المرتقبة أمام "الشياطين الحمر" في سياتل.