منتخب بلجيكا يتجاوز التحديات ويستعد لمواجهة إسبانيا في ربع نهائي كأس العالم 2026
لم يكن منتخب بلجيكا من بين المرشحين الرئيسيين للفوز بلقب كأس العالم 2026 عند بدء البطولة قبل شهر، خاصة بعد اعتزال العديد من نجوم الجيل الذهبي الذين أسهموا في تحقيق إنجازات "الشياطين الحمر" خلال العقد الماضي.
تزايدت الشكوك حول أداء المنتخب عندما تأخر بهدفين أمام السنغال حتى الدقيقة 85 من مباراة دور الـ32، لكنه تمكن من قلب النتيجة في واحدة من أكثر الريمونتادات إثارة في تاريخ كأس العالم. بعد ذلك، حقق المنتخب البلجيكي انتصارًا كبيرًا على الولايات المتحدة بنتيجة 4-1، ليضمن مكانه في الدور ربع النهائي.
على الرغم من رحيل أسماء بارزة مثل إيدن هازارد ومروان فيلايني وموسى ديمبيلي وفينسنت كومباني، فإن وجود عناصر الخبرة مثل تيبو كورتوا وكيفن دي بروين وروميلو لوكاكو وأكسل فيتسل، منح الفريق التوازن اللازم لتحويل بدايته المتعثرة إلى حلم مشروع بالمنافسة على اللقب.
يستعد منتخب بلجيكا الآن لمواجهة قوية أمام إسبانيا مساء الجمعة، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت الآراء حول نهاية الجيل الذهبي قد جاءت مبكرًا، أم أن المدرب الفرنسي رودي غارسيا قد نجح في إعادة توظيف خبرات لاعبيه بطرق جديدة.
بلغت بلجيكا ربع نهائي مونديال 2014 ثم نصف نهائي نسخة 2018 التي كانت ذروة الجيل الذهبي، قبل أن تتعرض لخيبة أمل في كأس العالم 2022 بخروجها من دور المجموعات خلف المغرب وكرواتيا.
يرى الحارس تيبو كورتوا أن المنتخب يمر بمرحلة جديدة تمامًا. وقال حارس ريال مدريد، الذي يخوض كأس العالم للمرة الرابعة: "إنها حقبة جديدة بالنسبة لنا. صحيح أن بعض لاعبي الجيل السابق لا يزالون موجودين، لكن مونديال قطر لم يكن جيدًا بالنسبة لنا. الآن لدينا مجموعة جديدة من اللاعبين الشباب المستعدين لكتابة تاريخ جديد لبلجيكا."
تعكس أرقام البطولة الحالية هذا التحول بوضوح. فكورتوا (34 عامًا) هو الوحيد بين رباعي الجيل الذهبي الذي شارك في جميع دقائق البطولة، بينما تقلصت أدوار بقية المخضرمين.
أكسل فيتسل (37 عامًا) لم يشارك سوى لدقيقة واحدة في نهاية مباراة الولايات المتحدة، بينما سجل روميلو لوكاكو (33 عامًا) ثلاثة أهداف لكنه لعب أقل من نصف دقائق البطولة، وغالبًا ما يدخل كبديل للاستفادة من الإرهاق الذي يصيب دفاعات المنافسين بعد الضغط الكبير الذي يمارسه مهاجم أتالانتا تشارلز دي كيتيلاري (25 عامًا).
تعرض كيفن دي بروين (35 عامًا) لإصابة خلال مواجهة السنغال، لكن المنتخب البلجيكي حقق قبل خروجه فوزًا واحدًا فقط في ثلاث مباريات، بينما انتصر بعد إصابته في مباراتين وسجل سبعة أهداف خلال نحو 130 دقيقة.
تراجعت أيضًا مشاركة الظهير توماس مونييه تدريجيًا مع تقدم البطولة. ومع ذلك، لا يعني تراجع عدد دقائق اللعب أن دور المخضرمين قد انتهى، إذ لا يزال كورتوا أحد أفضل حراس العالم، وكانت أهداف لوكاكو حاسمة، وقدم دي بروين مستويات مميزة قبل إصابته.
لكن مسؤولياتهم قد تغيرت؛ فلم يعودوا مطالبين بحمل الفريق طوال المباراة، بل بإحداث الفارق في اللحظات الحاسمة، وهو ما يبدو أن رودي غارسيا قد نجح في استثماره بشكل مثالي.
يرفض المدرب رودي غارسيا اختزال لاعبيه في عامل السن. حيث قال خلال البطولة: "لا أستطيع تقبل وصف قادتي الأربعة بالمخضرمين. إنه وصف قاسٍ وغير عادل." وأضاف: "عندما تمتلك دولة لاعبين بهذه الجودة، فعليك أن تستمتع بوجودهم. هذا ما يستطيع هؤلاء القدامى تقديمه لبلجيكا."
إلى جانب خبرة القادة، برز عدد من اللاعبين الذين يقودون عملية تجديد المنتخب البلجيكي. كان لياندرو تروسارد، جناح أرسنال، من أبرز نجوم البطولة بعدما صنع 17 فرصة، وهو أعلى رقم بين جميع اللاعبين حتى الآن، كما ساهم بثلاثة أهداف مباشرة.
رغم أن تشارلز دي كيتيلاري ليس مهاجمًا غزير التهديف، فقد سجل هدفين وصنع آخر، إضافة إلى دوره التكتيكي في فتح المساحات أمام زملائه. وسجل هانس فاناكن، لاعب كلوب بروج البالغ من العمر 33 عامًا، هدفًا وقدم تمريرتين حاسمتين، رغم عدم خوضه أي تجربة احترافية خارج الدوري البلجيكي.
كان القائد يوري تيليمانس صاحب هدفي العودة أمام السنغال، بعدما سجل هدفي التعادل والانتصار. ومن بين 13 لاعبًا في القائمة تبلغ أعمارهم 25 عامًا أو أقل، يبرز جيريمي دوكو، جناح مانشستر سيتي، باعتباره الاسم الأقرب إلى النخبة العالمية.
يمتلك كل من دييغو مورييرا وماتياس فرنانديز-باردو إمكانات واعدة، في حين قدم أمادو أونانا مستويات جيدة قبل أن تنهي إصابة الرباط الصليبي الأمامي مشواره في البطولة خلال لقاء الولايات المتحدة.
وراء هذا الانسجام داخل المنتخب البلجيكي سبب آخر بعيد عن المستطيل الأخضر. بلجيكا بلد متعدد اللغات؛ إذ يتحدث بعض اللاعبين الهولندية كلغتهم الأم، بينما ينتمي آخرون إلى المنطقة الناطقة بالفرنسية، مما جعل اللغة الإنجليزية الوسيلة الأساسية للتواصل داخل المنتخب.
يؤكد الدكتور جيم يوريل، المحاضر في اللغويات التطبيقية بجامعة أنتويرب، أن هذا الخيار ليس عشوائيًا، بل يحمل أبعادًا استراتيجية. ويقول: "اللغة قضية حساسة في بلجيكا، لأنها ترتبط بالهوية والسياسة. اعتماد الإنجليزية يجعل الجميع على أرضية محايدة، ويجنب المنتخب أي حساسيات قد تنشأ إذا فُضِّلت لغة على أخرى."
وأضاف أن اللاعبين قد يعودون إلى لغاتهم الأم في الأحاديث الجانبية أو داخل المجموعات الصغيرة، لكن الإنجليزية تظل اللغة الجامعة داخل الفريق.
إذا أرادت بلجيكا تجاوز عقبة إسبانيا والمضي نحو اللقب، ستظل خبرة لوكاكو وكورتوا ودي بروين وبقية القادة عنصرًا حاسمًا، ليس فقط داخل الملعب، بل أيضًا في غرفة الملابس. هذا المنتخب لم يعد يمثل "الفرصة الأخيرة" للجيل الذهبي كما كان يُعتَقَد، بل أصبح نموذجًا لمرحلة انتقالية ناجحة، يؤدي فيها النجوم القدامى دور المرشدين، بينما يفسحون الطريق تدريجيًا أمام جيل جديد يبدو مستعدًا لحمل راية الكرة البلجيكية في السنوات المقبلة.